الأحد، 5 يونيو 2016

الغش ألامتحاني :هل يصلح " الالتزام " ما أفسده الدهر ؟





عبد الرحيم الضاقية

        وسط مقاطعة حضرية تجمًع مجموعة من النساء والرجال وبعض اليافعين يضعون بين أيديهم وثيقة الالتزام الخاصة بالغش في الباكالوريا ، كانت الساعة تجاوزت العاشرة والنصف صباحا وأحد  نواب رئيس الجماعة لم يدخل بعد إلى مكتبه وكل هؤلاء جميعا تركوا أعمالهم/ن وتراكموا في ممرات هذه المقاطعة وهم  ينتظرونه لتوقيع الوثيقة العجيبة التي سوف توقف الغش خلال هذه السنة... هذه الواقعة البسيطة تطرح العديد من القضايا القديمة الجديدة  حول الغش ألامتحاني الذي أصبح قضية رأي عام تناقش على مختلف المنابر الإعلامية وفي قبة البرلمان ، بل وداخل مكاتب الأجهزة الأمنية الحساسة وعلى جميع المستويات .                         
1.                      الغش كائن اجتماعي :
       سياق هذه الوقائع يرجع إلى الفضيحة الوطنية المدوية التي عرفتها دورة 2015 عندما تم تسريب إحدى مواد الاختبار الوطني قبل موعد الإجراء . وبذلك تم فض بكرة الضبط والنظام الذي تروج لها الجهات الوصية ، صحيح أن الأمر قد تم تداركه إجرائيا بتوفير العدة  الاحتياطية ،لكن الأخطر هو ما سوف يحدث بعد ذلك حين عجزت الوزارة ومفتشيتها العتيدة  على كشف مصدر وحقيقة التسريب ، مما جعلها تستنجد بالأجهزة الأمنية التي دخلت على الخط بشكل متأخر ، لكنها بعد مرور سنة كاملة لم تعثر على خيوط الجريمة التربوية . ورغم التصريحات المتشابهة على طول السنة الدراسية حول التحقيق والبحث بدا للرأي العام أن القضية تتجاوز هؤلاء . فقد تناسلت تساؤلات مشروعة لدى الرأي العام حول التناقض الحاصل لدى أجهزتنا الأمنية التي استطاعت تفكيك أعتى التنظيمات الإرهابية العابرة للقارات  ،و التي تحضى بالمناسبة بإعجاب وتشجيع الرأي العام . وفي المقابل نجد الجميع عاجز عن كشف حقيقة التسريب الذي حصل من طرف طواقم مسؤولة عن الامتحان  موظفون لدى الوزارة معروفون بصورهم/ن وأرقام تأجيرهم/ن ومهامهم/ن إما في مركز الامتحانات أو في الأكاديميات الجهوية. زيادة على ذلك فالعملية حسب المركز الوطني للامتحانات محاطة بضمانات آمنة  في مختلف المحطات الداخلية . ويذكر أن  عملية تحضير الاختبارات تنطلق  منذ شهر دجنبر إلى ماي من سنة الاختبار وفق مساطر محصنة تنظيميا وتقنيا، والطواقم العاملة في اللجان تتوفر على خبرة متعددة المصادر ليس فقط في الامتحانات المدرسية . وبعد هذه المرحلة تأتي مرحلة تسليم المواضيع للأكاديميات وفق مساطر منظمة وتحت أعين الشرطة اوالدرك أو هما معا . ثم يبدأ الاعتكاف على صعيد 12 مركز جهوي بواقع 213 فردا هذه السنة ، والذي ينتهي بتسليم المواضيع ليلة الامتحان . إلى هنا يبدو أن الأمر محاط بما يكفي من إجراءات السلامة ، لكن اللغز المحير هم من أين تم التسريب ؟                                  
جاء الجواب اللغز أياما معدودات قبل استحقاق 2016 في ندوة صحفية مفاجئة تم فيها تسمية الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين للدار البيضاء كجهة مسؤولة عن التسريب لن نزيد أكثر لأن الأمر في يد العدالة حسب تصريح الوزير... لكن دعونا نتسائل عن مهرجان الغش المؤسسي الذي انخرطت فيه المنظومة منذ مدة والتي تأمل الوزارة الوصية محاربته بواسطة رزمة من الإجراءات الآنية والمتسرعة ومن ضمنها توقيع التزام مزدوج من طرف المرشح/ة ووليه/ا والذي تحول الى  عبء إضافي للأسر مع أن مسوغاته القانونية فيها نقاش مسطري كبير ...فالتساؤل يجرنا الى من المسؤول ؟  مسؤولية الوزارة الوصية ثابتة  عند الوقوف على طبيعة الامتحانات وماذا تقوم ؟ فأغلب الأسئلة معرفية تخاطب الذاكرة ( أذكر – عرف – بين – استشهد ...) من أجل إنتاج المعرفة المستوردة من الكتاب المدرسي او الملخصات الجاهزة في الدفاتر . وهذا لن يعزز إلا ظاهرتين : إما الحفظ الببغائي أو الغش ، وكلاهما ضار بالمنظومة . على مستوى شكل الامتحان ألا يمكن تقليص مدة إنجازه والمراهنة على أسئلة موضوعية يمكن أن تصحح بدون تدخل العنصر البشري ، ثم إن  الانفتاح على تجارب دول أخرى عبر آلية قرعة المصوغات التي توقع بعضها في الامتحان وبعضها الآخر يكون التلاميذ/ات قد اطلعوا عليها دون إجرائها مما سوف يخفف من لوجيستيك الامتحان وزمنه . هناك مسؤولية الأسر التي أصبحت بعضها متواطئة  مع الغشاشين/ات عبر توفير الهواتف الذكية و توريط أطراف أخرى خارج قاعة الامتحان لإملاء الأجوبة عبر الاتصال المباشر مع المرشحين/ات مقابل مبالغ مالية معروفة تتراوح بين 5000 و1500 درهم حسب المواد والمعاملات والشعب  وقد كشفت تحقيقات الشرطة عن تورط   بعض الطلبة الجامعيين وبعض  الأساتذ/ات في العملية . للأساتذ/ة كذلك مسؤولية كبرى في النزاهة وكذا في إفساد العملية فإذا كانت الأغلبية ملتزمة بالمساطر، فإن البعض متورط في عمليات بيع نقط المراقبة المستمرة بطرق معروفة من طرف التلاميذ/ات والآباء والرأي العام وأسماؤهم/ن متداولة  على صعيد الأوساط التلاميذية فلكل مدينة أو مركز أبطاله المعروفون/ات . التلميذ/ة يبقى بدوره مسؤولا عن الغش باعتباره الحلقة النهائية التي تستفيد منه أو يمكن أن تؤدي ثمنه . صحيح أن التلميذ/ة يلاحظ كل مظاهر الغش في المجتمع: في حادثة المقاطعة حيث أن المسؤول المنتخب لا يحضر في وقت العمل ليكون في خدمة المواطنين/ات ، الى الأستاذ/ة الذي ...إلى مختلف مستويات المسؤولية... خصوصا و أن تلاميذ/ات اليوم منفتحون على النقاش المجتمعي عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي يرتادونها كما يتنفسون الهواء .                              2 – احتفالية الغش المؤسسي .
عرفت هذه الأيام حمى غير مسبوقة حول تخليق الامتحان وخاصة الباكالوريا ، وهذه الحملة لن تكون إلا محبذة وتعكس مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلا ايجابيا معها والأمل معقود عليها في إرجاع الهيبة للمدرسة والقوانين . لكن ينسى الجميع أن احتفالية الغش تنطلق منذ اليوم الأول الذي يلج فيه الطفل/ة إلى المدرسة حيث يفاجأ بتغيب بعض المدرسين/ن أو حضورهم/ن الجسدي فقط . ومع الأيام يتعود على الظواهر المشينة التي تتوج بامتحان الشهادة الابتدائية  حيث تكتب الأجوبة على السبورة في البادية والمدينة من طرف بعض الأساتذة المكلفين بال" مراقبة " ويخرج التلاميذ/ات إلى الشارع العام مزهوون بالإنجاز يصيحون ((ورًاونا – كتبو لينا ..)). يتكرر المشهد في الإعدادي بألف شكل وشكل ولا يحاط بهذه الإجراءات التي  تتداولها الصحافة اليوم . نأتي إلى الباكالوريا التي كانت يوم 24 ماي 2016 موضوع عدة أسئلة محورية في البرلمان  وبالمناسبة أعطى الوزير عناصر كثيرة لاستراتيجية الوزارة في هذا الباب . لنرى الآن المتدخلين/ات المباشرين في الإجراء والذي تقع عمليات الغش على بعد أمتار منهم/ن . فكل مركز امتحان له رئيس يكون غالبا مدير المؤسسة الذي يعتبر المسؤول الرئيسي في العملية توضع رهن إشارته كتابة الامتحان التي يختارها من الطاقم الإداري والتربوي للمؤسسة . يدبر هذا المسؤول المهمة بما اوتي من خبرة فإذا كان هناك رؤساء مراكز نزهاء ويعتبرون تلك الأيام استثنائية بالنسبة لهم فهناك آخرون (( يطلقون اللعب )) وتتم عمليات مشبوهة في ردهات المؤسسات ويعرف الجميع كيف تغير أوراق التحرير قبل وضعها في الأظرفة  وكيف تنظم المراقبة في هذا القسم أوذاك ...وفي المقابل نجد بعض رؤساء المراكز يعانون حتى من مساعديهم الأقربين أي من بعض الحراس العامين الذي يتحولون أثناء الامتحان إلى رؤساء أجنحة حسب التقسيم المجالي لمركز الامتحان . ويجد رئيس المركز نفسه لوحده يقوم بمهام متعددة في ظل غموض النصوص والمساطر لتحديد المهام بدقة  وتقييد الجزاءات في حالة الإخلال بالمهمة . لأن بعض رؤساء الأجنحة قد يكونون حاضرين في أجنحتهم/ن طول أيام الإجراء لكن دون تقديم أي خدمة سواء للمترشحين/ات أو للمراقبين/ات ... إن كثرة المتدخلين بدون مهام واضحة تفتح فجوات في الجانب التنظيمي لتشجيع ذوي النيات الخبيثة لتمرير  الوثائق أو تسهيل مهمة الغش وضرب تكافؤ الفرص في الصميم . يتكلف بالمراقبة هذه السنة 70 ألف مراقب/ة حسب الوزير ،هؤلاء أساتذة من الأسلاك الثلاث يستدعون من طرف المديريات الإقليمية . تعرف مهامهم اختلالات كبرى منها :                                             
-        يتوجهون صباح الإجراء مباشرة الى مراكز الامتحان دون أن يتم تحسيسهم بنوع المهام والمسؤوليات التي تنتظرهم/ن وأين يبدأ مجال تدخلهم/ن وأين ينتهي ، ثم الأهم المسؤولية التي تترتب عن إخلالهم بالواجب .
-        لا يتم تزويدهم مسبقا بالوثائق التي سوف يعبئون والتقارير التي يمكن أن يحررون مثلا (( حالة غش ...) بل يفاجئون  بها أثناء الإجراء مما يفسر العديد من الأخطاء التي يمكن أن تقع عند نسيان أحد التلاميذ/ات التوقيع على محاضر الإجراء  مثلا.
-        بعض رؤساء المراكز يكيلون بمكيالين على مستوى إسناد المراقبة بين أساتذة المؤسسة والأساتذة/ات المنتدبون/ات من مؤسسات أخرى ابتدائية وإعدادية حيث يتم إعفاء الأولين  أو تخفيف برنامجهم/ن على حساب  الزوار . مما يؤثر في الأجواء النفسية بين نفس الهيئة ويترجم ذلك بفتح الباب على الغش كنوع من "الانتقام" من شيء مجهول ؟؟؟
-        يتوجس الكثير من المراقبين/ات الذين يتم استدعاؤهم/ن خاصة إلى المؤسسات الموجودة في أحياء ساخنة أو لمؤسسات تعرف اجتياز الأحرار للباكالوريا نظرا لتكرار الاعتداءات والانتقام من المراقبين/ات النزهاء الذين يطبقون المساطر التنظيمية لمحاربة الغش . وفي حقيقة الأمر أن المؤسسة تستدعيهم وتأمرهم بالقيام بالمهمة لكنها تتركهم يواجهون مصيرهم عند أبواب المراكز. ولازالت كثير من قضايا الاعتداء  بالضرب والجرح وتخريب الممتلكات( السيارات ) تروج في المحاكم دون أن تتدخل الجهات الرسمية لفضها وإرجاع الحق الى أصحابه . وفي الحقيقة لابد من سن تأمين خاص للامتحان لمواجهة مثل هذه العوارض .
-        يقر الجميع بأن مهمة 70 ألف مراقب ليست سهلة ، لكن إذا كان أغلبهم/ن سوف يقومون بالمهمة النبيلة أحسن قيام فإن ظواهر مشينة في الماضي كان أبطالها بعض المراقبين/ات الذي يعتبرون أنفسم يقومون ب((الخير)) وهم يرتكبون جرائم حيث بأفعالهم/ن  يحرمون تلميذا/ة نجيبا من الشهادة أو النقطة أو الصف ويمنحونها لغشاش مدلس يفعلون هذا أمام الملأ وأمام الله . تقنية أخرى أبطالها بعض المراقبين/ات الذي يفسدون العملية حيث يكلف المراقب الأول بإدخال التلاميذ/ات وتوزيع الأوراق والحرص على كتابة الأسماء والأرقام . هنا يدخل معه التلاميذ/ات في المساومة أو التهديد فقد يكون صارما وقد يفسد  كل شيء عندما يقول لهم " بالنسبة لي ليس هناك مشكل  استعملوا ماعندكم وسوف أراقب الممرات" . وعندما يحضر المراقب الثاني يجد أن ((المبارة بيعت)) حسب تعبير المترشحين/ات فإما أن يخضع أو يدخل في صراع مزدوج مع المترشحين/ات ومع زميله الأستاذ/ة الذي تعاقد مع المترشحين/ات على الجريمة . هناك نقطة أخيرة على هذا المستوى حيث نجد فراغا قانونيا على مستوى تنظيمي لأننا لم نشهد أي رجوع لمحاسبة مراقبين/ات  متهاونين/ات عند اكتشاف أن قسما بكامله استعمل الغش في الأجوبة أو أن عمليات مشبوهة تتم فقط عند تكليف أحدهم بعينه والذي ترتفع حظوته أيام الامتحان عند التلاميذ/ت نظرا لبراعته في (( إطلاق اللعب )) .
-         من هذه الفئة الأخيرة يكلف نحو 40 ألف مصحح/ة من أجل القيام بأهم عملية في الاختبارات وهي عمليات الفرز والتقييم والترتيب . وعملية التصحيح من أكثر العمليات حساسية بأبعادها التربوية والقانونية والأخلاقية حيث يمكنها أن تكون حاسمة في مصير المترشحين/ات الذين يتحولون بمناسبتها الى كائنات ورقية تحمل أرقاما متسلسة  سوف يبلغ عددها هذه السنة مايزيد على 3 ملايين ورقة تحرير . هذه العملية تشوبهاا لعديد من الشوائب حيث  أنه في الغالب لا يحترم دفتر المساطر عبر تكليف مصححين/ات لاعلاقة لهم/ن بالمستوى المعني ، ثم أن التصحيح بالورشة لا يتم إلا لماما . نفس المصير تلقاه ثقنية العينات الممثلة التي تحث عليها التوجيهات وتقدم في البرامج الإعلامية والتلفزية كدليل على مصداقية التصحيح . ثم إن عمليات تتبع التصحيح تقتصر على جانبها الشكلي ولا تتجاوزه الى إعادة تصحيح عينات ومحاسبة من تهاون في مصداقية التقويم التربوي . كل هذه الهفوات تحول عملية التصحيح إلى سباق ضد الساعة لتصحيح أكبر عدد من الأوراق ، بدليل أن رزمة من  94 ورقة صححها أستاذ/ة لمادة أدبية  في ظرف ساعة ونصف ؟؟ ونفس العدد صححته مجموعة المادة في أزيد من  4 ساعات ؟؟ أضف إلى ذلك حالة مراكز التصحيح التي تفتقر لأبسط الشروط مما يجعل المصححين/ات ينجزون العملية في ظروف الحرارة المفرطة وفي جو مشحون نفسيا وتربويا .
فاعل آخر لابد من الإشارة إليه  نظرا لوجوده في مركز الامتحان وهو الملاحظ /ة، فرغم أن الجميع يراهن عليه  لضمان مصداقية الإجراء واعتباره عينا خارجية عن المؤسسة فإن فاعليته  محدودة لعدة اعتبارات:
·      أن النصوص المنظمة لهذه المهمة تحددها في عملية ملاحظة إجراء الاختبار والوقوف على مختلف العمليات : فتح أظرف – الإجراء – غلق الأظرف – تحرير تقرير يومي عن هذه العمليات .
·      مركز الامتحان له رئيس، و لا يحق للملاحظ/ة التدخل في أي عملية حتى وإن لاحظ انزلا قات فهو لا يحق له إلا استعمال حاسة واحدة هي البصر.وحتى إن حرر التقرير فلا يصل الجهات المعنية إلا بعد فوات الأوان .
حبذا لو تم تطوير هذه المهمة لتصبح أكثر فعالية من خلال تدبير تشاركي لمركز الامتحان واعتبار الملاحظ ممثلا عن الأكاديمية الجهوية أو مركز الامتحانات ويمكنه أن يقيم أداء المركز على مستوى تطبيق دفتر المساطر.
تلكم كانت تساؤلات على هامش الموسم الجديد للبالكالوريا والتي تعد محكا تقويميا للمنظومة المدرسية برمتها . أكيد أن فضيحة السنة الماضية لازالت في النفوس  وأنه يتعين ترتيب الأوراق من جديد لكي ترجع مصداقية الاختبارات ، وهذه المهمة تتطلب مجهودا مفكرا فيه من طرف الجميع والاشتغال من القاعدة بإشراك المتدخلين المباشرين والانفتاح على الخبرة الوطنية والدولية لمواجهة هذه الآفات. إن التدابير الآنية والارتجالية أصبحت غير ذات جدوى أمام مأسسة الغش ودعمه من أوساط مختلفة فلم يعد الغش عيبا بل أصبحت محاربته هي التي تقاوم في مجتمعنا .


;