الفضاء المدرسي
من عمارة وظيفية
إلى أمكنة حاضنة
عبد الرحيم الضاقية
كاتب وباحث في التربية والتكوين
ملخص
يبرز المقال أهمية الفضاء المدرسي كعنصر أساسي في الحياة المدرسية باعتباره
إطارا
غير محايد، إذ يؤثر في تكوين شخصية المتعلم/ة وتربيته على المواطنة. فالعمارة
المدرسية تجمع بين أبعاد نفعية ورمزية وجمالية تعكس رؤية المجتمع. وتتنوع الفضاءات
داخل المدرسة بين تربوية وإدارية وخدماتية وصحية ووثائقية ورياضية وغيرها، ما
يجعلها شبكة معقدة تؤثر على التعلمات والسلوكات. فالساحة مثلا تعد مجالاً للتفاعل
وبناء العلاقات، بينما القاعة تمثل النواة المركزية للمعرفة. والإدارة تجسد سلطة
القرار والهيبة، والمرافق الصحية رغم تهميشها ضرورية لراحة المتعلمين/ات. والممرات
والأبواب تحمل رمزية العبور بين الداخل المنضبط والخارج الحر. الفضاء الوثائقي
يعكس تطور البيداغوجيا نحو تنويع مصادر التعلم. كل هذه الفضاءات تشكل بيئة مؤثرة
في بناء الهوية الفردية والجماعية للتلاميذ. المقال يخلص إلى أن تحسين هندسة
الفضاء المدرسي وتدبيره بوعي تربوي شرط أساسي لجعل المدرسة فضاءً دامجاً ومساعداً
على التعلم.
الكلمات المفاتيح: الحياة المدرسية – الفضاء الوظيفي- تصنيف الفضاءات – هوية المتعلم/ة.
Abstract
The article highlights the central role of school space as an active
component of school life, shaping students’ identity and citizenship rather
than being a neutral frame. School architecture combines utilitarian, symbolic,
and aesthetic dimensions that reflect social visions. Spaces within schools are
diverse—educational, administrative, service, health, documentary, and
sports—forming a complex network that structures learning and behavior. The
courtyard fosters interaction and relationships, while the classroom remains
the core of knowledge transmission. The administration symbolizes authority,
and health facilities, though often neglected, are essential for well-being.
Corridors and gates symbolize the transition between regulated interior and
freer exterior. Documentary spaces, such as libraries, embody pedagogical
change toward diversified learning sources. Altogether, these elements shape
both individual and collective identities of students. The article concludes
that rethinking and managing school space with pedagogical awareness is crucial
for building an inclusive and supportive school environment.
Keys words: School life – The functional space – Classification of spaces – Student
identity.
أولا- مدخل:
يُعرفُ الدليل مفهوم
الحياة المدرسية «بأنها الحياة التي يعيشها المتعلمون في جميع الأوقات والأماكن
المدرسية، قصد تربيتهم من خلال جميع الأنشطة المبرمجة التي تراعي الجوانب المعرفية
والوجدانية والحس حركية...» (الدليل، 2008، ص 17). يحيل هذا التحديد
على الزمن والفضاء والأنشطة... يجد المتتبع للشأن التربوي أن الاهتمام ينصب على
الزمن المدرسي خاصة بوصفه معطى هلامي ومتحرك وقابل للتشكيل وإعادة التركيب دون
آثار على البنيات الأخرى. فكل مرحلة إصلاحية وكل وزير على الأقل له رأي في مجال
توزيع الزمن المدرسي مما يثير العديد من ردود الفعل، وبمناسبة كل موسم دراسي تصدر
الوزارة مقررا خاصا في الموضوع عبارة عن هندسة زمنية لموسم دراسي. وتثار نقاشات
واسعة حول الزمن المدرسي وعدد الحصص وحجم العطل المدرسية وحاليا لازال الفرقاء يناقشون
حجم الحصص بالنسبة للمدرس/ة والإداري ومدى ملائمته مع المهام والمردودية. إلا أن الفضاء
يعد معطى موضوعي تابت يحتل حيزا من الصعب تحويله أو إلغاؤه، يتعين التعامل معه
والاجتهاد في تطوير وظائفه واستثماره بشكل أمثل في عمليات التنشئة الاجتماعية
والتربية عل السلوك المدني. وبالنظر إلى أدبيات الموضوع نلاحظ قلة الدراسات حول
موضوعة الفضاء والاهتمام أكثر بموضوعات الزمن والأنشطة الموازية والمندمجة ودور
الفاعلين في التعبئة الاجتماعية حول المدرسة. لكن يبدو لنا أن للفضاء أهمية قصوى
في تشكيل مواطني/ات المستقبل على أكثر من مستوى. فالمراهنة على الفضاء تفوقت فيه المدرسة
الخصوصية حين استثمرت في الجودة عبر تدبير الفضاء بشكل عقلاني رغم قلته فكثير من
المؤسسات لا تتوفر على ساحة ولا على مرافق رياضية ملائمة حيث نجدها تحتل عمارة لكن
يتم تدبير الفضاءات بوظيفية عبر عقد شراكات مع المدارس العمومية لاستغلال الملاعب
الرياضية أو قاعات الأنشطة. وقد جاءت هذه الورقة لتطرح الفضاء في ابعاده المختلفة
التربوية والسوسيولوجية والنفسية والوظيفية باعتماد منهجية متعددة المداخل في افق
تفكيك وحدات الفضاء لجعله مكانا حاضنا للمتعلم/ة وليس فضاء آسرا لا يسمح بتفتح ألف
زهرة وزهرة.
ثانيا - الفضاء المدرسي: الشكل والوظيفة:
لا شك أن للعمارة المدرسية أينما كانت شكلا معينا، كما أن
وجودها يستجيب لحاجة وظيفية. إلا أن تفاعل البعدين أعطى نقاشا حادا نابعا من تحديد
أولوية الوظيفة على الشكل باعتباره ثانويا بالنظر إلى الطلب الملح على المدرسة في
مراحل تاريخية معينة. لكن سرعان ما تم الوعي بأن الشكل والوظيفة متلازمان بالقدر
الذي يحيل على الرفع من جودة الخدمة والتواصل الداخلي والخارجي لأن الأمر يتعلق
ببناء مجتمع مستقبلي في أحضان فضاءات من المفروض أن لا تكون منفرة. فلا يعقل أن
تولد مفاهيم الجمال والتناسق والمنطق والانسجام... في فضاءات وأمكنة لا تتوفر فيها
مؤشرات دالة أو محيلة على هذه المفاهيم.
1. الحاجة والشكل:
تستجيب العمارة المدرسية لحاجة مجتمعية ملحة تم التعبير
عنها منذ وعي الإنسان بذاته. وعلى أساس هذه الحاجة تم التفكير في الشكل الذي تطور
مع تطور فكر وعيش الإنسان في تفاعل وتواصل دائبين. وتتشكل الحاجة هذه من أصناف
نجملها في الآتي:
أ-الحاجة النفعية: وهي عبارة عن متطلبات قاعدية
تتساوق مع حماية المرتفق من صعوبات الطبيعة مع شروط أولية لتأدية المهمة. فالمدرسة
لابد أن تحمي التلاميذ وتوفر الحدود الدنيا للقيام بالوظيفة التعليمية وكذا
التنظيمية وفق الشروط النظامية.
ب-الحاجة الرمزية: تعكس الحاجة الرمزية الغايات
العليا من إقامة المعمار كأثر يحتل الفضاء ويرسل إرساليات تحمل دلالات على مفاهيم
الإنجاز والمشروع المجتمعي الذي يعكس الحكم الرشيد... فوجود مؤسسة تعليمية كبناية
في منطقة نائية يدل على حرص المجتمع على سياسة للقرب في مجال بنية الاستقبال
التربوية وهاجس تنموي على صعيد الاهتمام بالتكوين والتأهيل ورفع العزلة. كما أنها
أثر للدولة والسلطة ودليل على الحضور والتواجد والمراقبة.
ج -الحاجة الجمالية: لا يخلو معمار ما من جمالية
معينة، فشكله الهندسي ينم عن تصور وإنجاز معينين وانتماء استطيقي يحيل على اختيار
طراز دون آخر. فمثلا حتى القسم المبني بالمفكك يحمل معه إلى مختلف أرجاء الوطن
اختيارا هندسيا وتدبيرا معينا لإشكاليات الفضاء وآجال الإنجاز )الجادرجي، 2006، ص 98(. إلا
أنه لابد من التنبيه إلى أن الحاجة إلى المعمار المدرسي لا تتلخص في هذه العناصر
الثلاث بل هناك حاجات أخرى معبر عنها أو كامنة لم نذكرها لتضمينها ضمن الحاجات
المذكورة أو لضيق المجال والرؤيا.
أما شكل العمارة فهو عبارة عن نص مكتوب على صفحة الطبيعة
يحتاج إلى عدة معرفية متعددة الاختصاص لقراءة وتفكيك حروفه ومفرداته الثابتة في
الفضاء، لكن المتحركة في التمثلات ومواقع النظر. ويجد الباحث نفسه عاجزا عن إنتاج
قراءة متكاملة دون دراسات ميدانية ذات بعد وطني ومنفتحة على تجارب دولية. لكن سوف
نحاول اقتحام الموضوع عبر مداخل مفاهيمية علها تكون مفاتيح للإطلالة الجزئية على
الموضوع، واخترنا لذلك مفاهيم المراقبة، الذاكرة، العبور، التكوين.
2. الوظيفة والتعدد:
·
المراقبة:
من دون عناء نلاحظ أن العمارة المدرسية تم تصورها كي تقوم
بدور المراقبة والمعاينة خاصة وأن الأمر يتعلق بمكان لتواجد الأطفال واليافعين
المتنطعين والمنفلتين والذين يخاف عليهم المجتمع من الانحراف عن مبادئه....
فالدخول إلى المؤسسة يتم عبر باب يتم فتحه وإغلاقه بواسطة نظام زمني محدد ويتكلف
بالأمر حارس يكون منزله ملتصقا بهذه البوابة كي يمارس مهمة المراقبة على مدار
الساعة بل تم تفويت هذه المهمة إلى شركات خاصة، متخصصة في هذه الخدمة.
- إن تراص القاعات يأخذ شكلا يسهل مراقبته بنظرة مراقب
واحد عبر معاينة داخلية أو خارجية.
- إن بناية الإدارة تتواجد في مكان يسمح بمراقبة متعددة:
أولا ولوج المؤسسة أو مغادرتها وكذلك النشاط المزاول في القاعات وكذا في الساحة أو
الملاعب والموظفون العاملون تشتق أسماء مهامهم من المراقبة )حارس
عام، ناظر، أستاذ مكلف بالحراسة ... ( .
- في حالة وجود بناية كبيرة فإن المؤسسة تقسم إلى أجنحة
ووحدات يتكلف حارس عام بها ويبنى مكتب خاص يلعب دور شرطة الحدود أو الجمارك. بين
هذه الوحدة وباقي المرافق عبر التحكم في الممرات والأبواب )الضاقية،
2002، ص 80(. ولابد من الإشارة هنا إلا إسهامات فوكو Foucault وبارت Barthes في بناء تحليلات ذات أهمية بالغة تسعف في
التعمق في تحليل العمارة المدرسية عبر اتصالها وانفصالها عن المؤسسات الاحتجازية
السجينة أو الاستشفائية الطبية وما يمكن أن تنتج عن ذلك من إنتاج خطاب الحقيقة أو
حقيقة الخطاب.
·
الذاكرة:
امتد ورش بناء المؤسسات التعليمية عبر تاريخ المغرب منذ
فجر التاريخ مما يشير إلى الوظيفة الحظارية لبناية المدرسة. ولاشك أن المعمار يشكل
بصمة وراثية تحمل معها مسارا معينا يحيل على نوع التصورات السائدة في فترة تاريخية
معينة ونوع السياسة المتحكمة في شأن العلم والعلماء.
إن المؤسسات التعليمية تعد بالفعل قطعا من ذاكرة مجتمع
ابتداءا من قرار الإنجاز ثم حجم الإنفاق العمومي أو الخاص وكذا نوع وشكل النخبة
التي سوف تلج أو تتخرج منها. فعلى جدران المدرسة والإعدادية نقرأ تفكيرا آنيا
لمستقبل آت إنها إسقاطات محتملة على مساحات
زمنية معروفة أو مجهولة (Gaillard,
2000, p 78). يمكن هذا
إعطاء أمثلة ومقابلات بين مدارس بنيت
بالمفكك في ظروف معروفة ومؤسسات ومعاهد الفترة الاستعمارية سواء في الشمال أو
الجنوب، كما أننا لا ننسى الإشارة إلى المدارس العتيقة وكذا معاهد التعليم الأصيل
في المدن الكبرى التاريخية. وكل نوع أو شكل من هذه المؤسسات يحمل بصمات سياسة
تعليمية بل ورمزية ثقافية معينة.
·
العبور:
تعد المؤسسات التعليمية أماكن للعبور بامتياز فعمارتها
مكونة من ممرات ومسالك حقيقية أو مفترضة )إشارة
إلى الشعب والأقطاب والتخصصات(. هذه الممرات التي تتعامل مع التلاميذ/ات كمادة سائلة/لزجة تنساب
عبر ممرات Couloirs وتتجمع في أروقة وساحات. فأنت تلاحظ انسياب
الأجساد في المجال على أساس منطق المباح
والممنوع في إطار ميكروفيزياء السلطة التي وضعت شكل هذه المسارب بحيث تفرض على
المتواجد بها عدم الانحراف عن مسار محدد ومضبوط (Foucault, 1976, p 36). إنه شكل من أشكال إعادة الأجساد إلى حالتها الطبيعية
الأولى أي إلى سائل. كما أن مفهوم العبور هذا يمارس يوميا عبر العبور من فضاء إلى
آخر قاعة – ملعب – مختبر – مرحاض – إدارة .... كما يمارس على المدى المتوسط
والبعيد من خلال الانتقال من مستوى إلى آخر، أو قد يؤدي إلى العبور نحو خارج
الفضاء الأولي نحو أمكنة أخرى ضمن خريطة التنظيم التربوي.
·
التكوين:
لا يتأتى التكوين إلا في مكان / ملاذ، فالمؤسسة التعليمية
تستقبل التلميذ/ة،
وقد انتزع من حضن الأم أي من فضاء الولادة / الرحم كي يوضع في رحم أكبر. فالفضاء
الذي يحضنك ويلفك يعتبره « باشلار» حاملا لصورة العش الذي يحمي الفقريات من الخطر
في بداية حياتها وهو الذي يعلمها مبادئ العيش المستقل ويجعلها تعاين الخطر دون
الوقوع فيه.
إن الانتقال من عش إلى عش أكبر يشكل ولادة حقيقية (Bachelard, 1978, p 98). ولعل صورة أم
أو أب يصحب طفلا صغيرا إلى المدرسة في شهر شتنبر وكلاهما متردد الخطى بل ومنقبض
القلب أحيانا، سرعان ما يعاينا هذا الطفل الخائف بالأمس وهو يافع يضع وثائق تسجيله
في الجيب الخلفي لسروال الجينز وكله حيوية ونشاط وهو يهم بالخروج لتسجيل نفسه في
أقرب إعدادية أو ثانوية ... همه الوحيد هو أن يتواجد في القسم الذي يوجد فيه
أصدقاؤه.. إنها فعلا ولادة جديدة تمت في رحم حاضن شكل عشا آمنا لفتر ما.
ثالثا- الفضاء المدرسي: بين التصنيف وهندسة
المواقع:
يتكون
الفضاء المدرسي من وحدات مترابطة من الناحية المعمارية والوظيفية وأن بعض الملامح
والمؤشرات الخاصة به هي التي تمنحه هوية مجالية خاصة. وتخضع هذه المكونات أصلا
لمنطق وإكراهات الوظيفة التي تتحكم في الشكل وتدبير الفضاء. وبما أن هذا التدبير
هو من فعل الإنسان فإنه لا محالة خاضع للقراءة والتأويل. كما أن فعل التدبير هو
مواجهة لإكراهات الواقع المتغير مما يبين حدود سياسة تدبيرية معينة وضرورة إبداع
طرق وأساليب أخرى.
1 - مكونات الفضاء المدرسي: من تصنيف
المجالات لتدبير التمثلاث.
1.1 تعدد عناصر الفضاء.
رغم إحالاتنا المتكررة على مفهوم الفضاء المدرسي
كوحدة ضمن الحياة المدرسية التي تعد من الأدوات الرمزية للمدرسة فإنه يعرف
اختلافات وتفاوتات على عدة أصعدة يمكن إعطاء نماذج منها على سبيل الإشارة:
·
على مستوى الأسلاك التعليمية:
كانت المدرسة الابتدائية من أول
الفضاءات المدرسية التي عرفت انتشارا واسعا على خريطة الوطن لظروف تاريخية معروفة.
والمعلوم أن هذه المدرسة اقتصرت على الحد الأدنى من المرافق حيث هي عبارة عن قاعات
للدرس بل عبارة عن قاعة واحدة أو قاعتين في إطار نظام المجموعة المدرسية المكونة
من مدرسة مركزية وفرعيات ملحقة بها. ويعد البناء المفكك هو السائد بالنسبة لهذه
الوحدات المنفصلة. أما الإعداديات فقد عرفت توسعا ملموسا بفعل التزايد الإحصائي
الحاصل منذ بداية ألفية الإصلاح مع
تنويع وإغناء للمرافق المختلفة وأصبحت حاليا لكل جماعة إعدادية من
أجل الحد من الهدر المدرسي على مستوى فئة اليافعين . أما
الثانويات فهي تحمل ضمنها مواصفات الفضاء المدرسي خاصة القديمة منها. إلا أن
الملاحظ أن ارتفاع الأعداد في الثانوي أثر كثيرا على هذا التقسيم حيث غالبا ما تمت
العودة إلى إدماج السلكين في مؤسسة واحدة مع ما يحمله هذا الإجراء من إكراهات
تنظيمية وتربوية تؤثر حتى على التحصيل الدراسي (أبلال،2017، ص135).
·
تفاوتات مجالية:
لا
يمكن القفز على الإطار العام الذي يحتضن المؤسسة التعليمية وآثاره الواضحة على
فضائها. فالمعطيات المجالية هي السياق الذي تتواجد به المؤسسة. وهنا لابد من
الإشارة إلى المؤسسات الحضرية التي تتواجد بالمدينة وداخلها التي تعرف تمايزات
واضحة بين الوسط والأحياء الجديدة. بالإضافة إلى المناطق الشبه حضرية المحيطة
بالمدن الكبرى أو المراكز والتي تتميز بضعف البنيات الداخلية (أبلال، 2017، ص 131).
كما تجب الإشارة إلى المدرسة في العالم القروي التي تعرف توسعا كبيرا في جميع
الأسلاك نظرا للطلب الاجتماعي على التعليم. كما لا يجب نسيان المدرسة المتنقلة
التي فرضها نمط عيش الرحل وتخوض بعض النيابات تجارب رائدة في هذا المجال تحتاج إلى
دراسة مجالية واجتماعية.
·
معطيات تاريخية:
يمكن
إجمال هذه المؤشرات في الحقب التاريخية لنشأة المؤسسات مع ربطها بالسياسة
التعليمية لهذه الفترات والتي تبقى جزءا لا يتجزأ من السياسات العامة ورؤية
الفاعلين للمدرسة ودورها. وعلى هذا الأساس يمكن أن نقرأ في الفضاءات المدرسية
أجيالا من المؤسسات من حيث التصاميم وتهيئة الفضاء وتنوع المرافق واختلافها بل
يمكن من خلال الفضاءات معرفة بعض ملامح السياسة التربوية وأولوياتها وكذا حجم
التمويل ومجهود المجتمع في هذا المجال (أبلال، 2017، ص 166).
لن
تكون بالطبع هذه العناصر هي الوحيدة المتحكمة في تنوع الفضاء المدرسي بل هناك
معطيات أخرى أكثر عمقا في ارتباط بالمجتمع والإمكانيات الاقتصادية وتفاعلات المحيط
مع المدرسة والتي تحتاج وحدها لدراسة مستقلة.
2.1 تصنيفات الفضاء:
عند ولوج الفضاء المدرسي بمختلف
الأسلاك التعليمية نجد أمامنا مرافق مختلفة مرتبطة بالعمليات التربوية التي تنجز
داخلها بما يضمن الانسجام والتوظيف الأمثل للمكان وتحقق تنظيم حركية التلاميذ/ات
وتجنيبهم إهدار الزمن مع ما يتطلب ذلك من إزاحة الحواجز بين مكونات هذا الفضاء
ضمانا لتكافؤ الفرص ( والولوج
المتساوي للاستفادة من عناصر الراحة والتواصل والحياة الاجتماعية المنسجمة داخل
مجتمع صغير يعد تهييئا للحياة في مجتمع أكبر. وعليه دأبت الأدبيات التربوية
والوثائق الرسمية على تقسيم المؤسسات حسب الأجنحة ) الجناح الإداري – الجناح الداخلي – العلمي ...( أو حسب المرافق أو هناك اجتهادات بعض المؤسسات التي أعطت لبعض
الأجنحة أسماء علماء أو فنانين أو شعراء بل وقسمت المرافق والأجنحة حسب تقسيمات
ترقيمية بالأعداد أو الحروف .... وتختلف هذه التصنيفات حسب الأسلاك وحجم المؤسسات
ودور الإدارة التربوية واضح في هذا المجال. لكن هذه الإجراءات تدل جميعها على وعي
الفاعلين بعدم تجانس الفضاء المدرسي وكذا الحرص على ربط التصنيف بالوظائف وهو مؤشر
دال على التربية على النظام واستدماج لمفاهيم تنظيمية أو رياضية أو منطقية.
سوف
نتقدم هنا بتصنيف للفضاء المدرسي على أساس أنه ليس الوحيد. كما أننا سوف نختار
تصنيفا شاملا لمؤسسة افتراضية تحتوي على ما نضنه الحدود الدنيا مع وعينا التام
بوجود مؤسسات تفتقر للكثير من هذه المرافق كما أن هناك مؤسسات بها مرافق غير واردة
في هذا التصنيف. همنا هو تفكيك الفضاء المدرسي لإتاحة الفرصة للتأويل وإبداء الرأي
من أجل تحسين الفضاء الخاص بالمعرفة.
·
الفضاء التربوي الدراسي: يشمل هذا الفضاء القاعات كشكل غالب
على فضاء المدرسة، ويمكن تقسيمها إلى قاعات للتعليم العام وقاعات للتعليم المختص
كقاعات العلوم والاجتماعيات والتربية الأسرية والإعلاميات ... كما يضم هذا الفضاء
أيضا معامل ومشاغل للتعليم التقني وكذلك ملاعب رياضية ... أي كل الفضاءات التي
يمكنها أن تحتضن تدريس مادة دراسية مسطرة في المنهاج الدراسي العام. وقد تطور
استعمال هذه الفضاءا إلى تشغيلها خارج الزمن المدرسي عبر شراكات مع المجتمع المدني
لإنجاز الدعم التربوي أو تنظيم أنشطة خارج صفية مفيدة نفسيا واجتماعيا
للمتمدرسين/ات أو غيرهم (الضاقية، 2021، ص 227).
·
الفضاء الإداري التنظيمي: يدمج
هذا المجال كل الامكنة التي تمارس بها أنشطة تنظيمية تدخل ضمن الهيكلة الإدارية لمؤسسة
تعليمية كالمكاتب الإدارية وقاعات الاجتماعات وفضاءات الاستقبال.. وقد يمتد هذا
الفضاء من مجرد مكتب واحد للمدير في مدرسة ابتدائية حتى مركب إداري متعدد الأروقة
في ثانوية تأهيلية. بل قد ينعدم هذا الفضاء في بعض المجموعات المدرسية لتصبح محفظة
السيد المدير هي هذا الفضاء.
·
الفضاء الخدماتي والجمالي: قد
لا تعطى أهمية لبعض الفضاءات التي تتيح خدمات الصيانة للمرفق المدرسي مع أهميتها
كالحراسة والنظافة والاهتمام بالمساحات الخضراء والأسوار والأبواب. والكل يشهد على
حجم الهدر المالي الحاصل سنويا في المؤسسات التعليمية بدون مرافق للصيانة.
·
الفضاءات الوسيطة: تدخل
ضمنها الأبواب والممرات الأرضية أو غيرها والدرج بالنسبة للطوابق العلوية وتعد هذه
الفضاءات أساسية في تنظيم الحركة الدائبة للتلاميذ بل يعتبرها البعض آليات تواصلية
يستعملها الكل للعبور من إطار إلى آخر (Fathy,
1970, p 145) وكلما كانت لا تستجيب لكثافة المرور إلا
وتعرضت للتخريب والانتهاك من طرف التلاميذ/ات. وتعتبر كذلك الساحة من أهم هذه
الفضاءات الوسيطة حيث تلعب دور وسط المدينة أو المركز بالنسبة للمؤسسة التعليمية.
·
الفضاءات الصحية: يمكن
أن تكون مرافق صحية مثل مراحيض لقضاء الحاجات البيولوجية، أو أماكن النظافة
والاغتسال أو الوضوء أو أماكن خاصة بالصحة المدرسية كقاعة للتمريض أو الراحة. وقد
حصل وعي متأخر بأهمية هذه المرافق في محاربة الهدر المدرسي حيث أن بناء مدرسة في
العالم القروي بدون مرافق صحية هو حكم على 50% من التلاميذ
أو أكثر، الإناث خاصة، بالانقطاع عن التمدرس.
·
الفضاءات الوثائقية:
من الملاحظ الاهتمام المتنامي بحكم توجهات السياسة التعليمية وتحولات الطرق
البيداغوجية، حيث أضيفت فضاءات أخرى للفضاء الوثائقي التقليدي (الخزانة المدرسية –
مركز التوثيق ( بتزويد المؤسسات بقاعات متعددة الوسائط التي تطل على فضاء
الإعلاميات التربوية وقد تعزز هذا الاتجاه بمشروع Genie الذي أثبتت الجائحة فشله في تأمين التعليم عن بعد مما اضطر الفاعلون
إلى التوجه وجهات أخرى.
·
فضاءات رياضية: هي فضاءات مفتوحة ذات
وظيفة محددة تتميز بأنها ذات مواصفات تقنية وتربوية محددة من ناحية الحجم
والمساحات. ويجد فيها المتعلمون/ات متنفسا لممارسة التربية البدنية تحت تأطير
المدرسين/ات المتخصصين/ات. لكن هذا الفضاء يطرح إشكاليات التحصين والصيانة والتجهيز
والتنظيم الوظيفي وتحمل أعداد المتعلمين/ات الذين يحصلون على إعفاءات من التربية
البدنية خاصة الإناث مؤشرات قيمية مقلقة حول مصير هذه الفضاءات وجدواها. وتعمل
المؤسسة حاليا عبر برامج شراكة على فتح هذا الفضاء خارج أوقات العمل في إطار
استعمال التجهيزات الجماعية ضمن أنشطة القرب بتعاون مع جمعيات رياضية تنشط في
الأحياء والمجالات القروية القريبة من المؤسسات.
·
فضاءات الإقامة والتغذية: تحيلنا
هذه الفضاءات حاليا على المؤسسات التي تتوفر على قسم داخلي أو بها مطعم فقط. لكن
هذه الفضاءات مدعوة للتطور في إطار إعادة تنظيم الدراسة كي يتم تبني التوقيت
المستمر لضرورات إجرائية وتنظيمية واقتصادية أو المدرسة الجماعاتية. ولعل أهمية
القسم الداخلي لا يعرفها إلا سكان المناطق النائية والمهمشة حيث تعتبر الداخلية
آلية إنقاذ أساسية من الضياع والهدر المدرسي.
·
فضاء التعبد: أضحى
هذا الفضاء ذا أهمية قصوى في إطار المضامين الوطنية والدولية الحالية. وقد اخترنا
أن نفصله عن باقي العناصر لقدسيته أولا ثم للعبه نفس دور الفضاءات التربوية
الدراسية مع التأكيد على ضرورة تخصيص أماكن للصلاة بالنسبة للإناث وكذا الذكور.
وقد
نكون قد أغفلنا بعض الفضاءات كقاعات خاصة بالأنشطة الموازية أو بعض الفضاءات التي
تتميز بها بعض المؤسسات دون غيرها. كما نكون قد بالغنا بالنسبة لمؤسسات لا تتوفر
على حد أدنى، لكن هدفنا كان فقط إثارة الانتباه إلى تصنيف معين لا يخلو من قراءة فاحصة
ومحللة لمفردات وجمل الفضاء ضمن سياقات معينة، من أجل توجيه الفاعلين التربويين
إلى الاهتمام بهذه الموضوعة من منظور نسقي.
2 - من تمثل
الوظائف إلى هندسة المواقع:
في
إطار العمارة المدرسية يبدو أن الوظيفة كانت سابقة على الفضاء الذي سوف تمارس فيه،
ويدل اتخاذ العمارة المقدسة في البداية أماكن للتعلم على صعيد جميع الحضارات
الكونية على هذا المنحى. وقد تم بناء المدارس والثانويات أولا كتصورات ذهنية ثم
انتقلت إلى رسوم على الورق ثم بعد ذلك أتت مرحلة التصنيع والإنجاز التقني. وهذا
المسار حكمته رؤى وكتابة على الفضاء بأشكال وأنواع ومقاييس مختلفة ومتنوعة تغري
بتحويلها إلى نص أدبي أو لوحة تشكيلية قابلة للتأويل وقنص الدلالات الواضحة
والخفية.
في
هذا السياق سوف نحاول قراءة بعض الأمكنة والفضاءات التي اتفقنا على أنها تشكل عدة
رمزية تسعف المدرس والفاعل التربوي في إنجاح مهمة نقل المعارف والسلوكات والقيم.
1.2 الساحة:
تعد فضاء خاما أو خضع لتحول بنيوي
وكانت الغاية من عدم تحويله مقصودة ربما لكي تمارس فيه سلوكات خاصة أي خارج القالب
المدرسي الصرف. ويختلف تعامل التلاميذ/ات مع هذا الفضاء حسب السن فبالنسبة لأطفال
في السنوات الأولى من الابتدائي يعد مكانا لتفتح حسي حركي يتم فيه تفريغ الشحنات
الانفعالية الأولية كالجري والصياح والاحتكاك الجسدي مع الأتراب وفي كل ذلك تواصل
حركي ولفظي. أما في بدايات المراهقة فالساحة فضاء للهروب من إطار منظم يفرض سلوكات
معينة ويبدو أن هذه المرحلة هي مرحلة تشكيل جماعات من الأصدقاء تتقاسم مواضيع
وهوايات واهتمامات متقاربة أو مشتركة. وتبدو خريطة الساحة عبارة عن دوائر أو
مجموعات متقاربة أو منعزلة. أما في سن المراهقة بالثانوي فيتم الحفاظ على النموذج
الأول مع إمكانية تطويره وظهور بوادر التمرد وبناء الهوية الذاتية والثقافية
وظواهر عامة وخاصة
) أوزي، 1993، ص 96(.
ثم تتطور الآليات التواصلية والتبادلات الرمزية بين الجنسين. وتصبح الساحة مكانا
مفضلا للاحتفاء بالجسد المتشكل، وكذا إطارا لممارسة طقوس القيم الجديدة والتي تتم
المبالغة فيها أحيانا. أما على مستوى لحظات الساحة فالتلاميذ ومعهم المدرسون
يتعاملون مع هذا الفضاء على سبيل النمذجة ثلاث لحظات:
- لحظة
الدخول: وهي لحظة اكتشاف واستكشاف وبدايات.
- لحظة
الاستراحة: وهي لحظة استرخاء جسمي وعقلي وقضاء لحاجات طبيعية وتواصل داخلي.
- لحظة
الخروج: وهي لحظة تخلص من الفضاء المدرسي ومعانقة فضاءات أخرى.
ومن المفيد الانتباه إلى اللحظة
الوسطى التي يتم فيها تفاعل الفضاء مع المجموعة حيث أثبتت بعض الدراسات النفسية –
الاجتماعية أهمية تتبع عينات من التلاميذ/ات في مختلف الأعمار وكيفية تحركهم في
فضاء الساحة أثناء فترة الاستراحة. للوصول إلى أشكال هندسية قابلة للتأويل
والقراءة: فهناك من التلاميذ من يخرج من قاعة الدرس ويذهب إلى مكان معين من فضاء
الساحة ثم بعد انتهاء زمنها يعود في شبه خط مستقيم إلى فضاء الدراسة. وهناك تلاميذ
يرسمون دوائر متداخلة في فضاء مفتوح وآخرون يرسمون أشكالا ذات زوايا حادة... تتعقد
الصورة التشكيلية عندما نضيف لهذه العوامل سرعة الحركة ثم الفرد والجماعة
وتأثيرهما في إمكانيات الرسم في المجال بالجسد (Chabanne, 2005, p 64). لن نتمم
الحديث عن الساحة دون الإحالة على صورتها في المجتمع باعتبارها الساحة العمومية أي
وسط المدينة أو الأكورا Agora في المدن الإغريقية أو الرومانية ودورها
السياسي والثقافي والتواصلي مع عدم نسيان «الكَارة» و«أسايس» بالنسبة للمجتمع
المغربي، مع رمزية الساحة كتشكيل لاهتمام معين عند الحديث عن الساحة السياسية أو
الثقافية أو التعليمية.
2.2 القاعة:
يعد
هذا الفضاء النواة الأساسية في العمارة المدرسية بل هناك مؤسسات تعليمية تتوفر فقط
على قاعة أو قاعات وهي التي تعطيها هويتها المجالية. وقد حصل تماهي بين المدرس/ة
والقاعة والمعرفة، حتى أن التلاميذ/ات يعرفون قاعة فلان أو قاعة الفرنسية ويجهلون
رقمها المثبت في وثائق الإدارة التربوية أو على بابها. ولعل لكل قاعة جوها الخاص بها وسياقاتها من خلال
المعارف والمهارات والجو العام الذي يصرف فيها عبر لحظات التعلم. وبالنظر لعدد
قاعات التعليم التي تصل في المجموع العام عمومي وخصوصي وتعليم أولي إلى 253 815
يمكن تصور الكم الهائل من التبادلات المعرفية والوجدانية التي تتم داخلها. ونظرا
لغنى هذا الفضاء ورمزيته يتعين تخصيص فصل مستقل من أجل التمكن من إبراز فاعلية
المدرس/ة داخل قاعة الدرس وأهم الإكراهات والصعوبات التي يطرحها تدبير هذا الفضاء
المشحون بالرمزية والغنى.
3.2 إدارة تربوية:
رغم أن هذا المفهوم لا يحيل فعلا على مكان بقدر
إحالته على المهمة، فإن للمؤسسات التعليمية فضاء خاصا ذو طبيعة تنظيمية لا يسمح
المجال هنا لبسط الحديث حوله. ومن الجدير بالذكر أن هناك تفاوتا كبيرا بين الأسلاك
التعليمية من حيث بنايات الإدارة حيث نلاحظ أن التعليم الابتدائي تختزل فيه هذه
البناية إلى أقصى حد ممكن بل تنعدم في بعض المناطق. والإدارة في التمثل الأولي هي
بمثابة مركز قيادة تتمركز فيه السلطة التربوية عن طريق الإدارة بالمعنى الهندسي
الذي يحيط بالمكان وما يحدث فيه من أحداث مرئية أو غير مرئية. كما أنها مكان
لاتخاذ القرارات وإصدار الأوامر التي تسري في جسم المؤسسة التعليمية. وعبر هذه
البناية تمارس الحراسة العامة سواء الداخلية أو الخارجية وكل نص غير متوافق مع
النظام العام تتم مصادرته Censure من طرف الناظر Censeur.
إذن فبناية الإدارة هي آلة ثابتة في
مكان لكنها متواجدة رمزيا في كل مكان من المؤسسة التعليمية
)الضاقية،
2006، ص 128(، وحتى مكان تواجدها يكون محكوما
بخلفية المعرفة والسلطة حيث يشكل الذهاب إليها مسارا استثنائيا بالنسبة للتلميذ
حيث توجد خارج الممرات المعتادة: فاستدعاء تلميذ إلى مكتب من مكاتب الإدارة لا يتم
إلا إذا كان هناك أمر غير عادي. أما المدرس فإن بناية الإدارة تشكل بالنسبة له
مدخلا رسميا للمؤسسة ومنها وداخلها ينتقل أو يتقاعد أو يغير إطاره إذن فهي البوابة
الرمزية للمؤسسة. وقد تم خوض نقاش ساخن بين الفاعلين التربويين لإخراج مرفقين من
المركب الإداري لكي يتمكن المستفيدون من ولوجه دون توجس أو خلفية. وهما الخزانة
المدرسية التي حكم عليها بالفشل بمجرد وضعها ضمن جناح الإدارة مما جعل التلاميذ لا
يلجونها فأصبحت مرفقا معطلا. وكذلك قاعة الأساتذة فكثير منهم لا يرغب في الذهاب
إلى الإدارة لكنه بالعكس يريد أن يتواصل مع زملائه في جو من الحرية بعيدا عن
الإطار الإداري الذي يمارس الرقابة التي لم تعد فعلية لكن مؤشراتها لازالت قائمة.
4.2 المرافق
الصحية:
يبدو هذا الفضاء هامشيا بالنسبة
للرؤيا العامة التي تحملها العمارة المدرسية بل يعتبر المرفق الأخير الذي يهتم
به... هذه الهامشية في التصور والتمثل تلازمه حتى في اقتصاد الفضاء المدرسي على
مستوى احتلال المجال، فغالبا ما يتم وضع المرافق الصحية في زوايا مهجورة وراء
القاعات الدراسية أو الأجنحة. لكن هذا التهميش في التصور يناقض الواقع، فالحاجة
إلى هذه الفضاءات التي توفر النظافة والراحة البدنية. وقضاء الحاجات البيولوجية
تعتبر حيوية وضرورية ويمكن أن تكون ملحة كذلك فلا جدوى لأي أسلوب من أساليب
التشويق والتحفيز البيداغوجي أمام تلميذ أو تلميذة يعاني من انقباض ناتج عن عدم
قضاء حاجة بيولوجية طبيعية!!
نفس
الملاحظة يمكن أن تقال بالنسبة للأساتذة فغالبا ما تكون المرافق الصحية المخصصة
لهم/ن في الإدارة وفي حالة رديئة على مستوى الصيانة مما يطرح مشاكل بالنسبة للإناث
وكذا الذكور وخاصة كبار السن.
إن
التصور المتحكم في وضع هذه المرافق يدل فعلا على احترام لشخص التلميذ/ة والمدرس/ة
الذين تفرض عليهم طبيعة العمل المدرسي البقاء في المؤسسة لمدة طويلة. وهنا لابد من
الإشارة إلى المؤسسات الابتدائية في العالم القروي التي تفتقد لهذه المرافق وآثار
ذلك على الهدر المدرسي وارتفاع مؤشراته خاصة بالنسبة للتلميذات نظرا لعوامل
بيولوجية وسوسيوثقافية وعند محاولة قراءة هذا الفضاء نقف على المؤشرات التالية:
- أنه فضاء تطهير بامتياز لذلك نجده يفصل الذكور
عن الإناث ليتيح الخلوة المطمئنة وإمكانية الاسترخاء وطرد كل ما يمكن أن يضر
بالصحة ويتم الخروج منه والجسد في أتم الاستعداد للتركيز على الدرس.
- أنه مكان تتوقف عند أبوابه مراقبة الراشدين سواء
كانوا أساتذة أو إدارة. فحتى حينما يكون التلميذ تحت مجهر المراقبة أثناء إجراء
الاختبارات الإشهادية فإن المراقب يرافق التلميذ حتى باب المرافق الصحية وينتظر
قضاءه لحاجته. لكن هاجس المراقبة لا يفارق العمارة المدرسية رغم ذلك فالملاحظ
لأبواب المرافق الصحية يجدها مصممة بشكل تخفي الجزء الأوسط من الجسم وتبدو الأرجل
والرأس رغم إغلاق الباب.
- أن هذا الفضاء يتم فيه إخراج
الفضلات الطبيعية وكذلك الرمزية، فالملاحظ لجدران المراحيض يجدها تحمل نصوصا عنيفة
ومنفلتة اللغة وتنم عن حالات نفسية يخلقها أو يوحي بها الفضاء. كما أن ممارسة
العنف على التجهيزات يبدو مؤشرا دالا على هذا الأمر المشار إليه. وقد تطور هذا
الأمر أخيرا في بعض الإعداديات والثانويات إلى استهلاك المخدرات والحبوب المهلوسة
في هذه الفضاءات وهو عنف رمزي على الذات يجب الالتفات إليه (Chabanne, 2005, p 58).
وقد
نستمر في إعطاء مؤشرات دالة أخرى لكن لن نستوفي هذا الفضاء حقه من كونه مكانا
لتصفية الذات وتصفية حساب مع الذات وكذا الآخر. ويتعاظم هذا المؤشر لدى المراهقين
عامة وعندما تبرز قوة المراقبة الاجتماعية والتربوية ويضعف التواصل البيداغوجي.
5.2 الممرات والأبواب:
يتم ولوج فضاء المؤسسة التعليمية من
باب رسمي أو أكثر فلا يسمح بالدخول من أبواب أخرى لا يدخل منها العموم. كما يمكن
تخصيص هذه الأبواب للتلاميذ أو المدرسين أو فئات أخرى، ويشكل الباب انقطاعا إراديا
لدائرة السور الذي يشكل الحدود بين الداخل والخارج. ويحيل الخارج هنا على فضاء
الشارع أو الفضاء الطبيعي المفتوح أي جو من الحرية، بينما الداخل يحيل على الملاذ
أو المعتقل أو مكان يسود فيه نظام خاص وهنا تتواجه الهندسة مع مقاربة وجودية
لمفهوم «الهنا» و«الهناك» والمسافات التمثلية التي تفصلهما (Bachelard, 1978, p 196). ونجد أن
المؤسسة التعليمية تشتغل بهذا النموذج فالباب يشكل مكان عبور من الخارج بكل
حمولاته والداخل بكل حرمته وقدسيته الأولية. فلا يمكن الدخول إلى المؤسسة كما اتفق
بل هناك أنظمة تحكم اللباس/ الهندام، الشكل العام، الأشياء المسموح إدخالها إلى
مؤسسة تعليمية، وكذلك الإطار القانوني الذي يسمح بالدخول: فتلميذ مطرود لا يسمح له
بولوج باب المؤسسة. كما أن ولوج الباب محكوم بنظام زمني، فالفتح والإغلاق موكول
إلى موظف يطبق قرارات إدارية تستمد شرعيتها من نظام لاستعمال الزمن واستعمال
للباب. فعندما يغلق الباب يعتبر الداخل ضمن إطار المؤسسة وما وراءه خارج المؤسسة
يطبق عليه نظام آخر حيث يمسك ضمن جدول يتم الاشتغال به ضمن نظام تقويم الأداء
المدرسي. نفس الأمر يمكن أن يطبق على المدرس الذي يمكن أن يترتب وجوده وراء الباب
الخصم من أجره الشهري أو التأثير على تنقيطه أو ترقيته. ومن اللازم الإشارة هنا
إلى رمزية باب المؤسسة التعليمية من حيث الحفاظ على حرمة هذا المكان المخصص للعلم
ففي أحلك سنوات الرصاص كانت قوات الأمن لا تتجاوز باب المؤسسة التعليمية إلا بشكل
استثنائي.
ترتبط الأبواب بالممرات التي تعد
جسورا بين مختلف الفضاءات المدرسية، قد تبدو موضوعة الممرات غير ذات أهمية لكن عند
التأمل في شكل هندستها نجد أن هناك فعلا تصورا إنسيابيا معينا. فهذه الأشرطة تشكل
رؤيا تدبيرية لصبيب بشري يتم تنظيمه وتقنينه للتحكم فيه من أجل الوصول إلى التوزيع
الأمثل على القاعات الدراسية التي تسمى كذلك فصولا لأنها تفصل أي تقسم هذه الكتلة
الغير متجانسة من الأفراد إلى أقسام وأجزاء يسهل ترقيمها ومن تم ملاحظتها
ومراقبتها. لا تنفلت الممرات كذلك من النظام الزمني ففراغ الممرات دليل على امتلاء
قاعات الدرس والعكس يتم شرط أن يكون اليوم خارج شبكة العطل. والعطلة ليست فقط عطلة
للتلميذ فهي كذلك عطلة للممرات والدرج والأروقة.
ونجد أعضاء الإدارة التربوية يركزون
اهتمامهم على هذه الممرات حيث بواسطتها يتم مراقبة التلاميذ والمدرسين ولكي تكون
هذه الأخيرة فعالة تتأسس على رسم خرائط وشبكات افتراضية ترتكز على التحرك في خطوط
واتجاهات تمكنها من معاينة كل شيء وبأقل كلفة جسدية أو زمنية )الضاقية،
2006، ص 124(،
ويساعد تراص الحجرات الدراسية وفتحها لأبوابها في ممرات طويلة على إنجاز المهمة
بسهولة لأن هذه الهندسة مستوحاة من نظام الثكنات العسكرية والمعتقلات ثم انتقل إلى
المستشفيات فالمدارس. هذه الهندسة الطرقية تساعد المدرس كذلك على التواصل مع
زملائه وكذا مراقبة المراقبين كذلك لأن هذه الآلية لا تشتغل في اتجاه واحد بالطبع.
6.2 الفضاء الوثائقي:
اخترنا هذا
الفضاء رغم عدم احتلاله مكانا أكبر في الإعداديات والثانويات أو انعدامه بها وكذا
بالمؤسسات الابتدائية نظرا للعوامل التالية:
* التحولات الحاصلة في تمثل المعرفة
والاشتغال بها حيث أصبح الفضاء الوثائقي هو الملاذ الوحيد للأجيال الصاعدة في إطار
الثورة المعلوماتية.
* الانتقال من بيداغوجيا التلقين
والتعليم إلى بيداغوجيا التعلم والبحث الذاتي عن المعرفة حسب الحاجة وليس حسب
فقرات جاهزة قابلة للحفظ.
* دور وأدوار المدرس/ة في إطار هذه
التحولات مع قرب تحول قاعات الدرس التقليدية إلى قاعات متعددة الوسائط، ليصبح فضاء
الحجرة الدراسية فضاء افتراضيا مفتوحا على الشبكة العنكبوتية.
* الحرج المجالي الذي يوجد فيه هذا
الفضاء ففي تصاميم قديمة ألحق هذا الفضاء بالإدارة فأصبح مكانا مهجورا من طرف
التلاميذ/ات للعوامل التي أبرزناها آنفا، أو اختير له فضاء غير ملائم لا تتوفر فيه
أدنى شروط الاستقبال وبالأحرى الاشتغال. هذا كله، إن وجد، لأن وضع أغلب المؤسسات
هو عدم وجود هذا الفضاء أصلا. وقد شهد الكل في الآونة الأخيرة اتجاها إيجابيا من
طرف الوزارة الوصية وخاصة مع مشروع تعميم تكنولوجيا الإعلام والاتصال (Genie)، وكذا
فتح باب عقد شراكات مع قطاعات خاصة أو الانفتاح على المجتمع المدني الذي استطاع
بإمكانيات بسيطة أن يجعل تلاميذ مناطق نائية ومهمشة يطلون على نوافذ Windows عالم المعرفة
الواسع.
وعلى أساس هذه الإشارات لا مناص من
إعادة إسكان هذا الفضاء في قلب العمارة المدرسية المستقبلية وكذا إعادة النظر في
ما هو موجود حاليا عبر التشاور البناء مع كافة المتدخلين ومنهم المدرسون لابتداع
طرق وإجراءات تنظيمية وتقنية وهندسية لرفع كل أنواع الحواجز عن الفضاء الوثائقي كي
يصبح الذهاب إليه بنفس الوثيرة الذي يطرح بها طفل أو مراهق أسئلته، وبنفس وثيرة
إعطاء الدروس أو الإحالة على الكتاب المدرسي أو السبورة، كي يشعر الجميع فعلا أن
المعرفة توجد في متناول الباحث عنها، وانتقال دور المدرس/ة التدريجي نحو الوساطة
البيداغوجية. وعليه فإن أحسن موضع لهذا الفضاء هو مكان وسط بين كافة المرافق
الأخرى.
لن نتمم الحديث عن هذا الفضاء دون الإشارة إلى
ضرورة الالتفات إلى العنصر البشري المكلف بالتسيير والتنشيط والتدبير وصيانة
المكان والأجهزة والرصيد الوثائقي الورقي أو الإلكتروني والاستثمار فيه على مستوى
التكوين ومراعاة التكوين وإعادة التأهيل كميا وكيفيا.
كانت تلك جولة انتقائية في بعض
فضاءات العمارة المدرسية حكمها هَمُّ محاولة ربط الجسور بين المكان ودلالاته
الوظيفية والرمزية وكذا كيف يتم الاشتغال به في إطار مؤسسة هدفها تكوين الأجيال.
ومهما يكن من أمر هذه المحاولة فإنها تضل قاصرة على فتح حوار مع البناء، لكنها
دعوة مفتوحة إلى ولوج هذا الموضوع بعدة معرفية تمتح من تخصصات متعددة وبأدوات
تحاول استنطاق العمارة وكذا رؤية ورؤى مستعمليها
الحاليين وكذال أولئك الذين غادروها وتركت في أذهانهم صورا نقشت في سن معين وساهمت
في تشكيل مخيالهم الفردي والجماعي.
رابعا: نحو فضاء حاضن
كانت هذه المحطات السابقة بكل
إحالاتها ومرجعياتها تضع نصب عينها الوصول إلى إمكانية اقتراح بدائل وتحسينات
مسعفة في وضع الفضاء رهن إشارة الفاعلين التربويين لاستعماله كأداة رمزية للوصول
إلى أهداف السياسة التعليمية المرسومة والتي تروم تمكين أجيال المستقبل من الاستفادة
من الحاضن التربوي لبناء المجتمع وبقاء ملامح هذه الفضاءات في أذهانهم بكل ما تحمل
من قدسية وحرمة.
1 - أزمة الفضاء المدرسي:
تفيد أغلب المؤشرات الميدانية على
أهمية عنصر الفضاء ضمن مقاربة تربوية شمولية، وفي نفس الوقت تؤكد على صعوبات وأزمة
هذا الفضاء في جو تعرف فيه المنظومة تحولات كمية وكيفية قد لا تستطيع العمارة
المدرسية مسايرتها أولا لطبيعتها الثابتة ثم لتكلفتها المالية وكذا لضعف وقلة
التصورات البديلة في هذا المجال.
* أن اختيار موضع بناء مؤسسة تعليمية
يشكل مؤشرا دالا على الإرادة الكامنة وراء الرفع من المردودية. فإذا كانت في
الماضي توجد بناية المدرسة في قلب التجمع السكني أو في حي داخل المدينة العتيقة
مما يحكم عليها بطراز معماري معين يتساوق مع الوضع العام، فإن التوسع العمراني
الحالي حكم على المدرسة أو الثانوية بالاستقرار في الضاحية الهامشية ووسط أحياء
ضعيفة التجهيز أو عشوائية )أقوضاص، 2000، ص 229(، مما
ينعكس على صورتها ومردوديتها الداخلية. وحتى المؤسسات العتيقة الموجودة في وسط
المدن تجد نفسها في اختناق بسبب عدم مواكبة البنيات التحتية المحيطة للتطورات
العمرانية والديمغرافية.
* في تجاوب مع ما ذهبت إليه الدراسات
الميدانية من وصف الفضاء المدرسي «بالمهمل» بنسبة مهمة يطرح مشكل
الصيانة بشكل ملح حيث أن مجهود البناء والتسيير والإحداث لم يتوقف منذ الاستقلال
وتعزز خلال مرحلة الإصلاح وما تلاه خلال فترة البرنامج الاستعجالي الذي اتجه وجهة
تأهيل الفضاءات ثم تعزز من خلال توجهات الرؤية الاستراتيجية (2015 – 2030) وخ
ارطة الطريق التي جعلت من تأهيل المؤسسات
التعليمية فضائيا شرطا لولوج مشروع المدرسة الرائدة التي تشتغل على بيداغوجيا
مجددة سوف تحد من تعثرات المتعلمين/ات. وقد وصلت أعداد المؤسسات خلال موسم )2022-2023( إلى 11909
مؤسسة في التعليم العمومي و 7231 في التعليم الخصوصي .ثم توزعت على 8288 مدرسة ابتدائية
و271 مدرسة جماعاتية و 13112 فرعية
. وفي الثانوي ارتفعت الأعداد لتصل إلى 2185
إعدادية و 1444 ثانوية تأهيلية (و-ت –و، موجز أحصائيات).
لكن هذا المجهود لم يواكبه مجهود آخر للصيانة حيث أن اختيار تفويت هذه الخدمات إلى
القطاع الخاص لم يعط النتائج المرجوة لمشاكل الحكامة الداخلية. وقد أتبتث التجربة
محدودية شركات المناولة الأمنية والنظافة في الاهتمام بالفضاء المدرسي نتيجة هشاشة
وضعيات التوظيف والترسيم، مما يفرز في كل موسم أزمات بين المديريات وشركات المناولة. والنتيجة هي مؤسسات أشبه بمطارح النفايات، يزيد الأمر فظاعة
في العالم القروي حيث تكون مفتوحة على الطبيعة فلا يستطيع الزائر تمييز فضاء
المدرسة عن باقي الفضاءات لانعدام الأسوار أو لتعرضها للإتلاف.
وفي نفس هذا الإطار يضاف إلى ضعف
الصيانة مشكل جودة البنايات والتجهيزات حيث قد تحصل في بعض الأحيان تواطؤات مشبوهة
مع المقاولين مما يؤدي إلى إحداث مؤسسات تصبح بعد مدة قصيرة عبارة عن أطلال أو غير
صالحة لخوف الآباء عن أبنائهم مما يؤدي إلى توقفها والأمثلة على ذلك موجودة على
صعيد كل أكاديمية.
* يتضح من الإحصائيات أن وثيرة تزايد
أعداد المتمدرسين لا يوازيه نفس التزايد على مستوى البنيات المدرسية مما يخلق
مشاكل الاكتظاظ الذي يصبح موضوعا مطروحا للنقاش في الآونة الأخيرة. يضاف إلى هذا
المعطى ما سوف تعرفه المنظومة التربوية في السنوات القليلة القادمة من أوضاع حرجة
خاصة في الإعدادي والتأهيلي مع بداية التخفيف على مؤسسات التعليم الابتدائي، مما يطرح حجة إعادة النظر في مسألة
تحويل مؤسسات ابتدائية إلى إعداديات وثانويات لمواجهة الاكتظاظ عند حل مشكلة
الموارد البشرية المطروح بحدة. ويعتبر الأساتذة/ات أن مشكل الاكتظاظ يؤثر بشكل
مباشر على أداء المهمة وعلى التدبير الأمثل لفضاء القاعة والساحة والملعب بل وحتى
المرحاض. وقد تزامنت حالة الاكتظاظ في مواقع محددة دخول إصلاح المناهج والبرامج
والكتب المدرسية حيز التنفيذ مما طرح مشاكل
حقيقية للمدرسين حيث أن أقساما تفوق أعدادها 45 تلميذا يصعب معها إدخال أي شكل من
أشكال التجديد التربوي التي أتت بها المدرسة الرائدة مثل استعمال التكنولوجيا
التربوية وتقويم الأداء المتواتر حسب سير الوحدات الدراسية.
ومن جهة أخرى أدى الخلل الحاصل في
الموارد البشرية إلى ضم عدد كبير من التلاميذ/ات ومن مستويات مختلفة في قاعة
دراسية واحدة إلى انحدار في المردودية الداخلية والخارجية للمنظومة خاصة في
الابتدائي. ولعل المؤشرات الرقمية للهدر المدرسي تدل على جزء مما نلاحظه على مستوى
تدبير الفضاء.
*
من أهم أزمات الفضاء المدرسي الجديدة مسألة الانتهاك، وهذا المفهوم يحيلنا
على تجاوز الحدود الحقيقية أو المفترضة من أجل الإضرار بقيمة إيجابية (الضاقية، 2006، ص 137(. ومن
مظاهر الانتهاك المجالي ولوج المؤسسات التعليمية عناصر لا تنتمي قانونيا إليها
وهذه الموضوعة أصبحت حاضرة في الصحافة الوطنية وحتى تحت قبة البرلمان. وهي تؤدي
إلى ممارسة أشكال مختلفة من العنف على التلاميذ/ات والمدرسين/ات والفضاء المدرسي.
مما يقتضي وضع خطة وطنية متكاملة. رغم أن بعض
المبادرات أدت إلى إدخال الأمن الخاص إلى المؤسسات التعليمية.
يظهر الانتهاك الفضائي كذلك من خلال
ممارسته من طرف التلاميذ/ات على المؤسسة ومرافقها سواء الداخلية أو الخارجية مما
يضعف من أدائها الوظيفي والجمالي ويجعل كلفتها ترتفع بفعل تدني المردود. وفي هذا
الإطار نتصور واقع وحدات مدرسية معزولة بدون حراسة ولا أسوار تبقى عرضة للأيدي
أثناء العطلة الصيفية مما يجعلها غير صالحة في بداية الموسم الدراسي ويكون المدرس
أو المدير أول من يشهد على واقعة الانتهاك التي تمس كرامة الكل.
* تشكل مسألة الملائمة بين العمارة
المدرسية والظروف المحيطة موضوعا قلما تم الاهتمام به مع أن الدراسات تحبذ الميل
نحو البناء المحلي المتناسق مع المعطيات المناخية والتضاريسية وحتى الثقافية (Drouet – Besson, 1996, p 108). فالتصاميم
والطرز المعمارية الصالحة في سهل الغرب لا تتلاءم البتة مع مدارس جبال الأطلس أو
واحة زير أو درعة. ومن مظاهر هذا الوضع الأقسام المبنية بالمفكك التي تتخذ شكلا
واحدا في كل أنحاء المغرب سواء في الجبل أو السهل أو الواحة. ويكفي التذكير
بالكارثة التي حلت بإحدى المدارس المبنية بالمفكك في إقليم الراشيدية حيث تسببت
عاصفة رملية مصحوبة بارتفاع درجة الحرارة في انهيار ثلاث حجرات تسببت في سبع ضحايا
من بينهم مدرس في ماي 2007. وهذه الحادثة تم تسجيلها لأنها تسربت إلى وسائل
الإعلام أما ما خفي كان أعظم ... زد على ذلك المعاناة الصامتة للتلاميذ والأساتذة
أثناء البرد وأثناء الحر.
2 - من أجل إعادة النظر في الفضاء:
كان لابد من تشخيص أزمة الفضاء
المدرسي ليس فقط للتوقف عندها لكن للانطلاق من مؤشراتها المذكورة، أو التي لم
نستطع ذكرها، لاقتراح بدائل ومداخل جديدة لجعل الفضاء إطارا حاضنا للأجيال الصاعدة
وليس بنايات بمواصفات سجنية، ولن يتم ذلك إلا باستحضار البعد الإنساني والثقافي
والتواصلي في العمارة المدرسية بوصفها معبرا ضروريا يمر منه كافة أفراد المجتمع
نحو قطاعات وأنشطة مختلفة، وهذا العبور يبصم مخيالهم وتمثلهم لذواتهم والآخرين.
ولعل أهم ما يمكن أن تمنحه العمارة المدرسية للطفل هو الشعور بالثقة والأمن والبعد
عن كل الأخطار، نفس الشعور والإحساس يمنحه
الفضاء المدرسي للوالدين عندما يخلفون ورائهم فلذات أكبادهم وسط فضاء مدرسي (Fathy, 1970, p 144). وعلى أساس ذلك نستشعر مسؤولية هذا الفضاء
وأهميته، وانطلاقا من اجتهادات وبحوث مختلفة المرجعيات إضافة إلى الدراسة
الميدانية يمكن أن نتقدم ببعض الملاحظات والتوصيات علها تسهم في جعل الفضاء
المدرسي أداة رمزية للبناء الفكري والسلوك المواطن:
- انفتاح المهندسين المعماريين الذين يشيدون
المؤسسات التعليمية على البيئة المحلية عبر إدخال عناصر معمارية محلية تكون
متناسقة جماليا مع المحيط ثم تستغل التقنيات والمهارات التي تستدمج تدبير الضوء
والأداء الحراري للبناية من خلال التوجيه والفتحات والنوافذ وأدوات التضليل. ويمكن
استلهام التراث العالمي المعماري مثلا ما توصل إليه المعماري لوكوربوزي Le Corbusier من استخدام «كاسرات الشمس» كلغة معمارية تعمل على تحسين الفضاء
الداخلي في المناطق الحارة والقارية، حيث انطلق من اعتبار أن الشمس تكون صديقة في
جزء من العام وخصما في جزء آخر، وعليه فالعمارة المدرسية هنا لابد أن تكون مزدوجة
اللغة كي يشعر التلاميذ والمدرس أنها تحميهم وتوفر لهم جو العمل المناسب العنزي، 2006، ص 254(.
- تعتبر الممرات والجسور والأروقة أدوات تواصل في
مؤسسات مبنية أصلا للقاء المثلث الديداكتيكي )مدرس
– تلميذ – معرفة(، لذا لا مناص من استدماج هذا البعد عبر
استعمال الممرات كمحطات للقاء والتبادل الإنساني والمعرفي والاشتغال بالفراغات
كأدوات معمارية تتيح تواصل الأجزاء المكونة للهيكل العام للمؤسسة من أجل ربط
الجمالية بالوظيفية. وعن طريق الترتيب الفراغي يمكن تدبير الكتل المعمارية كي تنتج
الساحة والحديقة والممر المريح وأحواض للتجمع وليس مواسير وقنوات تفضي إلى مكعبات
ومربعات )أقسام
– مكاتب ...( تؤدي وظيفة رسمية واحدة ووحيدة دون الأخذ
بعين الاعتبار أن التلاميذ والمدرسين يمكنهم أن يتواصلوا داخل القاعة وخارجها، وأن
جميع مرافق المؤسسة التعليمية تؤدي مهمة تربوية( Drouet – Besson, 1996, p 104)).
- ارتبط تأريخ العمارة المدرسية بالبنايات المقدسة (المسجد – الكنيسة – البيعة-
المعبد)، وقد حافظت المؤسسات التعليمية على طابعها المقدس لمدة طويلة لكن أخيرا
بدأت تظهر بعض مؤشرات الانتهاك الفعلي والرمزي، لذلك لا مناص من عمل بيداغوجي
ينطلق من المؤسسة نحو الشارع ووسائل الإعلام والمجتمع المدني من أجل إرجاع الحرمة
إلى فضاء المؤسسة التعليمية ليس بإغلاقها ورفع الأسوار الحقيقية والرمزية لكن
بالعكس بفتح أبوابها ونوافذها على الجميع لكي يشعر الكل أن هذا الفضاء ليس في ملك
الإدارة أو الحكومة لكنها في ملك الجميع، وتعتبر ملاذا للجميع. ويعتبر باشلار أن
المكان الذي نمارس فيه فعل الكتابة والتفكير هو المكان الأكثر قدسية، وعندما نلجه
نُسقط العالم في الظلام أي لا نراه، أي نتجاهله (Bachelard, 1978, p
204) .
- تستوجب العمارة تدبير المسافات Distances ففي داخل المؤسسات التعليمية نجد أن المسافات
المعمارية تعكس مسافات نفسية وتراتبية إدارية بعيدة عن منطق المعرفة والتبادل وجو
الإيثار والعطاء الذي يؤسس العلاقة التربوية بين المدرس/ات والتلاميذ/ات. لذا لا
مناص من إعادة النظر في المواقع والأمكنة خارج القاعات الدراسية، ويمكن إعطاء مثال
فقط على الخزانة المدرسية التي من المفروض أن تكون في مكان قريب من التلاميذ/ات
نجدها في بعض الأحيان ضمن إدارة المؤسسة وولوجها يستوجب تدبير مسافات نفسية
وعلائقية ثم مجالية للوصول إليها. يحدث هذا في عصر أصبحت فيه المعرفة تتدفق عند
الضغط على زر صغير وفي مكان مريح ومكيف الهواء
ومقابل تكلفة جد منخفضة (Runtz – Christian, 2000, p 115). حتى إدارة المؤسسة
تفرض عليها تحولات التدبير أن تتحول من الانعزال والانطواء إلى تبني سياسة القرب
من مواقع الفعل التربوي كي تنصت فعليا لما يعتمل داخل قاعة الدرس أو الملعب أو
المختبر.
- تتيح تيكنولوجيا الإعلام والاتصال التي دخلت
المؤسسة التعليمية تحولات جذرية في التعامل مع الفضاء والزمن مما ينذر بإعادة
هيكلة الفضاء كي يستوعب شروط وإجراءات علاقة الآلة بالإنسان وإمكانيات الاستعمال
المسترسل للمؤسسة التعليمية في التعلم والتكوين وكذا الدعم والتكوين المستمر
والانفتاح على المجتمع المدني من خلال الحي والودادية والجمعية.
- يحضر الهاجس البيئي بقوة خلال القرن 21 وهذا
الأمر يفرض على العمارة المدرسية أن تتجه نحو اختيارات جديدة تأخذ بعين الاعتبار
مصير الأجيال القادمة من خلال تبني العمارة الخضراء التي تحافظ على الطاقة من خلال
الأداء الحراري للبناية عبر التوجيه الجغرافي للبنايات مما يتيح الاستغناء عن
التسخين أو التبريد ثم اعتماد نظام الإضاءة الطبيعية المفتوحة على مصدر الشمس،
بالإضافة إلى اختيار ملائم لمواد البناء المحلية ذات المواصفات البيئية الملائمة
ثم الانفتاح على مصادر الطاقة البديلة )رأفت، 2006، ص 204( لأن كل هذه الإجراءات البسيطة سوف تؤدي إلى
خفض تكاليف استهلاك الطاقة مما يقلل من انبعاث الغازات السامة والمسببة في ارتفاع
حرارة الأرض بسبب النقل وتصنيع المواد. وبعد الإنجاز تصبح هذه العمارة المدرسية
ذات المواصفات البيئية ذات بعد وظيفي أولي ثم ذات بعد تعليمي تحسيسي للتلاميذ والمحيط
بأهمية الحفاظ على البيئة من أجل تنمية
مستدامة حيث تصبح موضوع دراسة ونموذج يحتذى به.
أتاح لنا هذا السفر الافتراضي في
الفضاء المدرسي محاولة أخذ بعد منه من خلال محاولة قراءته بعدد مختلفة. كان الهدف
هو إبراز هذه الأداة الرمزية التي يشتغل بها كافة الفاعلين في الحقل التربوي. وباعتبار
الطبيعة الخاصة التي تتميز بها العمارة بوصفها حاضنا للكائن البشري وملاذا شبه
عفوي فإنه قليلا ما ينتبه إليه لأنه يدخل في إطار المألوف مع أن تناول الموضوع قد
أبرز انفتاحه على عوالم تنطلق من التكوين حتى مصير أجيال بكاملها من خلال البحث عن
مقاربات جديدة لعمارة مدرسية ذكية تتواصل مع المستقبل.
مــراجــع
- وزارة التربية الوطنية، دليل الحياة المدرسية، الرباط، دجنبر 2008.
- وزارة التربية الوطنية، خارطة
الطريق 2022-2026، الرباط.
- وزارة التربية الوطنية، موجز إحصائيات التربية 2022-2023، الرباط.
- المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية
الاستراتيجية 2015-2030.
أبلال، عبد الرزاق، سوسيولوجيا الانقطاع المدرسي، روافد، القاهرة.
- أوزي، م، 1993، المراهق
والعلاقات المدرسية، الرباط.
- الجادرجي، ر، 2006، في سببية
وجدلية العمارة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
- الضاقية، ع، 2002، الجودة في
التعليم والتكوين، البيضاء.
- الضاقية، ع، 2006، مكونات
الفعل التربوي) تلميذ – مدرس – معرفة (، البيضاء.
- الضاقية ،ع ، 2021، كفايات المدرس المهنية: مقاربات تطويرية لمهنة التدريس، مراكش.
- أقوضاض، م، "المدينة المغربية: حصيلة
الماضي وتحديات المستقبل"، أعمال ندوة: المدينة المغربية في أفق القرن 21، المحمدية 2000.
- العنزي، ع، "العمارة والشمس"، عالم الفكر،
المجلد 34، يونيو 2006.
- رأفت، ع، "العمارة البيئية الخضراء
والتنمية العمرانية"، عالم الفكر، م 34، 2006.
- Bachelard, G, 1978, La poétique de l'espace,
P.U.F.
- Chabanne, J-L, 2005, Les difficultés d'apprentissage,
NATHAN.
- Drouet – Besson, M.C, Architecture
et éducation, Revue Française de pédagogie, N° 115, 1996.
- Foucault, M, 1976, Surveiller et
punir, Gallimard.
- Fathy, Hassan ,1970, Construire avec le peuple,
Sindbad
-
Gaillard, J – M, Architecture : Le temps des palais scolaire, Le monde de
l'éducation, N° 284, Septembre 2000






