هندسة بناء درس بالتعليم الصريح
نقلة نوعية في إشراك المتعلم/ة أم استمرارية في هدر زمن
التعلمات؟
عبد الرحيم الضاقية
كثر الحديث عن النموذج البيداغوجي الذي أتخذ
من المدرسة الرائدة شعارا له، واختلطت المعرفة العالمة بالمعرفة العامية وردود
أفعال تدخل ضمن الحس المشترك. وبدا فعلا أن الأصوات المسموعة والتي تعبر عن نفسها
بعيدة كل البعد عن التخصص، فالمقاربة المُعتمدة استُنبتت في مُختبرات البحث التربوي
المُنفتح على تجارب عالمية في تطوير التعلم والمبني على خبرة يومية في بعض بلدان
العالم الثالث. وفي مقابل ضجيج إعلامي وجدنا تدخلات محتشمة من ذوي الاختصاص أو
مسؤولين/ات لم يفلحوا في توضيح الأمر وبسط النموذج التربوي الذي من حق الأمهات
والآباء أن يطلعوا عليه ويعرفوا حيثياته بلغة بسيطة تخفف من غموض الوضعية.
قبل الخوض في تبسيط السيناريو الذي يعتمده
التعليم الصريح لابد من الإشارة المقتضبة لما يقع في الأقسام في إطار عادي. فكل من حضر حصة دراسية يشهد أن المدرس/ة يشتغل
عادة مع ثلاث أو خمس تلاميذ/ات من مجموعة تتجاوز ثلاثين تلميذا/ة (سنأخذ 35 كقسم
مرجعي) بمعنى أن نسبة الولوج لا تتعدى نسبة 08.5% إلى 14.2% أي بنسبة هدر تفوق 90% مما يجعل جهود المدرس/ تذهب سدى لأن باقي التلاميذ/ة الغير مشاركين إما
انهم صامتون يتفرجون أو يشاغبون مما يضاعف من معاناة المدرس/ة الذي يعيش العزلة
وسط قسم مكتظ وهذه هي المفارقة. والنتيجة تنعكس في التقويمات الدولية التي تضع
المردودية التربوية في الحضيض لأن التقويم الداخلي يحتفي بتقويم غير موضوعي يعتمد
على معايير داخلية تعتمد تقويم إجمالي يقوم به المدرس/ة في نهاية الحصة إن حصل! يضاف إلى هذه العناصر نهج تقليدي معتمد على التلقين
والاعتماد على كتاب مدرسي متقادم ومتجاوز معرفيا ومنهجيا خاصة في الإعدادي، دون
تتبع حثيث من طرف المدرس/ة لما يحصل فعلا أثناء الدرس لإغراقه في إجراءات مسطرية
تنظيمية.
بناء على هذه الاختلالات وغيرها
تم تبني مقاربة جديدة تروم معالجة بعضا من الإشكاليات الكبرى التي تعرفها الوحدة
الرئيسة للمنظومة وهي الدرس والذي يعد مدخلا لكل إصلاح يروم الولوج إلى قاعة
التعلم. وعليه فالتعليم الصريح ينطلق من حيث انتهت فترة المعالجة المكثفة التي تتم
في المحطة الأولى من السنة الدراسية. وتروم هندسة الدرس بناء من خمس مراحل أساسية:
1.
المدخل أو الافتتاح: والذي يروم استحضار المعارف السابقة وربط المكونات عبر أنشطة اعتيادية
خفيفة؛
2.
النمذجة: أو تشكيل المعارف الجديدة وهذا دور المدرس/ة الذي يقدم مضمون الدرس الجديد
في حدود 10 دقائق. ويختمها بحصيلة للتعلمات وتذكيرا بالمفاهيم الأساس؛
3.
الممارسة الموجهة: وتروم عملا جماعيا مراقبا من طرف المدرس/ة حيث يقترب منهم/ن عبر حوار حول
مدى فهمهم/ن للوضعية، ويقدم الدعم الفوري اللازم للمتعثرين/ات. ويتحقق من فهم
الجميع وتوصلهم للربط بين المرحلتين ويتم ذلك في حدود 20 دقيقة؛
4.
الممارسة المستقلة: أو العمل الفردي حيث يقوم المتعلمون/ات بإنجاز وضعيات تطبيقية تحت مراقبة
المدرس/ة. ويبني المتعلم/ة هنا جسورا بين ما يعرف قبليا والمعارف والمهارات التي
تلقاها في مرحلتي النمذجة والممارسة الموجة. أما المدرس/ة فهو يتجول بين الصفوف
ويدعم المتعثرين/ات ويحث المتعلمين/ات على التقويم الذاتي المكون لمختلف الوحدات
التعلمية. باختصار فالتعلم في هذه المرحلة هو مسؤولية مشتركة بين المتعلم/ة
والمدرس/ة؛
5.
اختتام الحصة: وهي محطة تركيبية لمختلف المعارف والمهارات والصعوبات وردود الفعل، وتكون
مناسبة للخلاصة والإعلان عن موضوع الدرس القادم كنوع من التعاقد المتوسط المدى.
من خلال هذا السيناريو التعليمي الذي يبدو مختلفا
عما يمارس يوميا في الأقسام الدراسية والذي يتلخص غالبا في لحظتي الشرح والكتابة
أو التطبيق والتقويم الغائب/ الحاضر. يمكن الخروج بقراءة تحليلية لمختلف أحداث
الحصة الدراسية على أساس الموجهات التالية:
أ-
أن هذه المقاربة تتيح الفرصة للمتعلم/ة أن يوجه من طرف المدرس على مدة 35
دقيقة أي 65% من زمن الحصة الدراسية، قبل ذلك لا يحظى حتى بربعها في أحسن الحالات؛
ب-
أن المعطيات تقدم للتلميذ/ة 3 مرات خلال الحصة الواحدة مقابل مرة واحدة في
الوضعية السابقة: أولا من طرف المدرس/ة ثانيا مع جماعة القسم وثالثا يشتغل عليها
لوحده؛
ت-
لا يمكن الانتقال إلى معارف أو مفاهيم جديدة إلا بعد أن يكون 80% أي 26 من
المتعلمين/ات قد تحكموا في السابقة بدل 3 أو 5 في الوضع العادي.أو طرح السؤال
المبتذل: هل فهمتم؟ فيأتي الجواب الجماعي ( ناعام)؛
ث-
ضبط الحصة على مراحل لا تخضع لمزاج المدرس/ة ولا لطبيعة الفصل الدراسي أو
المادة الدراسية بل لهندسة مُبرمجة من العمليات الواردة في برنام الدرس الرقمي
الموضوع رهن إشارة الجميع في نفس الوقت؛
ج-
استعمال التكنولوجيا الرقمية عبر عروض تفاعلية تعفي المدرس/ة من كتابة جميع
المعطيات على السبورة مما يُسهم في التساؤل الداخلي ومساعدة المتعلمين/ات على
تجاوز صعوباتهم من خلال آليات: التفكير بصوت مرتفع – الإيقاع المتسق- المساندة –
التغذية الراجعة - المعالجة؛
ح-
الرفع من درجة انضباط الفصل الدراسي لأن الأغلبية الساحقة (35/ 33) تفهم ما
يحصل ضمن الدرس مما يجعلها تتبع أطواره وتشارك فيه حسب قدراتها، بينما في الوضعية
السابقة لا تتعدى (35/3)؛
خ-
إحياء نماذج قديمة لكنها أعطت أكلها في حينها من قبيل المراجعة الدورية
للدروس بدل الدعم الحالي والمراقبة النشيطة للمتعلم/ة من قبل المدرس داخل القسم
وإدخال الفصل الدراسي في وثيرة واحدة للإنجاز.
يبدو الخيار واعدا لكن يتعين توفير الشروط
الموضوعية لتنزيله، أولا عبر الاشتغال عليه في الجامعات ومراكز التكوين ومختبرات
البحث التربوي من أجل تكوين نواة صلبة من الباحثين/ات الذين سيأخذون على عاتقهم/ن
التنظير والتكوين والتنزيل الميداني. كما أن المشروع يحتاج إلى خطة متوسطة المدى
من أجل استكشاف الثغرات والصعوبات الميدانية عبر بناء ولوجيات بين الممارسة
الحالية والنموذج الجديد. فرغم حسنات التجريب التدريجي إلا أن الإشكالات اليومية
للتطبيق جر فرق حديثة التكوين وقليلة التجربة إلى ممارسات مرتجلة اختلط فيها
التربوي بالإداري والمالي. فانفجر النسق بين المؤسسة التعليمية والمديرية
الإقليمية والجهات المركزية مما حول العملية إلى مكالمات رسائل على الهواتف. لكن لُب
المقاربة يشيء بتحول كبير في الممارسات التي شاخت وشاخت معها الوثائق المرجعية
والكتب المدرسية التي أصبحت تنشر اللامعنى خاصة في الإعدادي.









