الاثنين، 15 ديسمبر 2025

هندسة بناء درس بالتعليم الصريح - نقلة نوعية في إشراك المتعلم/ة أم استمرارية في هدر زمن التعلمات؟

 هندسة بناء درس بالتعليم الصريح

نقلة نوعية في إشراك المتعلم/ة أم استمرارية في هدر زمن التعلمات؟

عبد الرحيم الضاقية

    كثر الحديث عن النموذج البيداغوجي الذي أتخذ من المدرسة الرائدة شعارا له، واختلطت المعرفة العالمة بالمعرفة العامية وردود أفعال تدخل ضمن الحس المشترك. وبدا فعلا أن الأصوات المسموعة والتي تعبر عن نفسها بعيدة كل البعد عن التخصص، فالمقاربة المُعتمدة استُنبتت في مُختبرات البحث التربوي المُنفتح على تجارب عالمية في تطوير التعلم والمبني على خبرة يومية في بعض بلدان العالم الثالث. وفي مقابل ضجيج إعلامي وجدنا تدخلات محتشمة من ذوي الاختصاص أو مسؤولين/ات لم يفلحوا في توضيح الأمر وبسط النموذج التربوي الذي من حق الأمهات والآباء أن يطلعوا عليه ويعرفوا حيثياته بلغة بسيطة تخفف من غموض الوضعية.

       قبل الخوض في تبسيط السيناريو الذي يعتمده التعليم الصريح لابد من الإشارة المقتضبة لما يقع في الأقسام في إطار عادي.  فكل من حضر حصة دراسية يشهد أن المدرس/ة يشتغل عادة مع ثلاث أو خمس تلاميذ/ات من مجموعة تتجاوز ثلاثين تلميذا/ة (سنأخذ 35 كقسم مرجعي) بمعنى أن نسبة الولوج لا تتعدى نسبة 08.5% إلى 14.2% أي بنسبة هدر تفوق 90% مما يجعل جهود المدرس/ تذهب سدى لأن باقي التلاميذ/ة الغير مشاركين إما انهم صامتون يتفرجون أو يشاغبون مما يضاعف من معاناة المدرس/ة الذي يعيش العزلة وسط قسم مكتظ وهذه هي المفارقة. والنتيجة تنعكس في التقويمات الدولية التي تضع المردودية التربوية في الحضيض لأن التقويم الداخلي يحتفي بتقويم غير موضوعي يعتمد على معايير داخلية تعتمد تقويم إجمالي يقوم به المدرس/ة في نهاية الحصة إن حصل! يضاف إلى هذه العناصر نهج تقليدي معتمد على التلقين والاعتماد على كتاب مدرسي متقادم ومتجاوز معرفيا ومنهجيا خاصة في الإعدادي، دون تتبع حثيث من طرف المدرس/ة لما يحصل فعلا أثناء الدرس لإغراقه في إجراءات مسطرية تنظيمية.

   بناء على هذه الاختلالات وغيرها تم تبني مقاربة جديدة تروم معالجة بعضا من الإشكاليات الكبرى التي تعرفها الوحدة الرئيسة للمنظومة وهي الدرس والذي يعد مدخلا لكل إصلاح يروم الولوج إلى قاعة التعلم. وعليه فالتعليم الصريح ينطلق من حيث انتهت فترة المعالجة المكثفة التي تتم في المحطة الأولى من السنة الدراسية. وتروم هندسة الدرس بناء من خمس مراحل أساسية:

1.      المدخل أو الافتتاح: والذي يروم استحضار المعارف السابقة وربط المكونات عبر أنشطة اعتيادية خفيفة؛

2.      النمذجة: أو تشكيل المعارف الجديدة وهذا دور المدرس/ة الذي يقدم مضمون الدرس الجديد في حدود 10 دقائق. ويختمها بحصيلة للتعلمات وتذكيرا بالمفاهيم الأساس؛

3.      الممارسة الموجهة: وتروم عملا جماعيا مراقبا من طرف المدرس/ة حيث يقترب منهم/ن عبر حوار حول مدى فهمهم/ن للوضعية، ويقدم الدعم الفوري اللازم للمتعثرين/ات. ويتحقق من فهم الجميع وتوصلهم للربط بين المرحلتين ويتم ذلك في حدود 20 دقيقة؛

4.      الممارسة المستقلة: أو العمل الفردي حيث يقوم المتعلمون/ات بإنجاز وضعيات تطبيقية تحت مراقبة المدرس/ة. ويبني المتعلم/ة هنا جسورا بين ما يعرف قبليا والمعارف والمهارات التي تلقاها في مرحلتي النمذجة والممارسة الموجة. أما المدرس/ة فهو يتجول بين الصفوف ويدعم المتعثرين/ات ويحث المتعلمين/ات على التقويم الذاتي المكون لمختلف الوحدات التعلمية. باختصار فالتعلم في هذه المرحلة هو مسؤولية مشتركة بين المتعلم/ة والمدرس/ة؛

5.      اختتام الحصة: وهي محطة تركيبية لمختلف المعارف والمهارات والصعوبات وردود الفعل، وتكون مناسبة للخلاصة والإعلان عن موضوع الدرس القادم كنوع من التعاقد المتوسط المدى.

من خلال هذا السيناريو التعليمي الذي يبدو مختلفا عما يمارس يوميا في الأقسام الدراسية والذي يتلخص غالبا في لحظتي الشرح والكتابة أو التطبيق والتقويم الغائب/ الحاضر. يمكن الخروج بقراءة تحليلية لمختلف أحداث الحصة الدراسية على أساس الموجهات التالية:

أ‌-        أن هذه المقاربة تتيح الفرصة للمتعلم/ة أن يوجه من طرف المدرس على مدة 35 دقيقة أي 65% من زمن الحصة الدراسية، قبل ذلك لا يحظى حتى بربعها في أحسن الحالات؛

ب‌-    أن المعطيات تقدم للتلميذ/ة 3 مرات خلال الحصة الواحدة مقابل مرة واحدة في الوضعية السابقة: أولا من طرف المدرس/ة ثانيا مع جماعة القسم وثالثا يشتغل عليها لوحده؛

ت‌-    لا يمكن الانتقال إلى معارف أو مفاهيم جديدة إلا بعد أن يكون 80% أي 26 من المتعلمين/ات قد تحكموا في السابقة بدل 3 أو 5 في الوضع العادي.أو طرح السؤال المبتذل: هل فهمتم؟ فيأتي الجواب الجماعي ( ناعام)؛

ث‌-    ضبط الحصة على مراحل لا تخضع لمزاج المدرس/ة ولا لطبيعة الفصل الدراسي أو المادة الدراسية بل لهندسة مُبرمجة من العمليات الواردة في برنام الدرس الرقمي الموضوع رهن إشارة الجميع في نفس الوقت؛

ج‌-     استعمال التكنولوجيا الرقمية عبر عروض تفاعلية تعفي المدرس/ة من كتابة جميع المعطيات على السبورة مما يُسهم في التساؤل الداخلي ومساعدة المتعلمين/ات على تجاوز صعوباتهم من خلال آليات: التفكير بصوت مرتفع – الإيقاع المتسق- المساندة – التغذية الراجعة - المعالجة؛

ح‌-     الرفع من درجة انضباط الفصل الدراسي لأن الأغلبية الساحقة (35/ 33) تفهم ما يحصل ضمن الدرس مما يجعلها تتبع أطواره وتشارك فيه حسب قدراتها، بينما في الوضعية السابقة لا تتعدى (35/3)؛

خ‌-     إحياء نماذج قديمة لكنها أعطت أكلها في حينها من قبيل المراجعة الدورية للدروس بدل الدعم الحالي والمراقبة النشيطة للمتعلم/ة من قبل المدرس داخل القسم وإدخال الفصل الدراسي في وثيرة واحدة للإنجاز.

يبدو الخيار واعدا لكن يتعين توفير الشروط الموضوعية لتنزيله، أولا عبر الاشتغال عليه في الجامعات ومراكز التكوين ومختبرات البحث التربوي من أجل تكوين نواة صلبة من الباحثين/ات الذين سيأخذون على عاتقهم/ن التنظير والتكوين والتنزيل الميداني. كما أن المشروع يحتاج إلى خطة متوسطة المدى من أجل استكشاف الثغرات والصعوبات الميدانية عبر بناء ولوجيات بين الممارسة الحالية والنموذج الجديد. فرغم حسنات التجريب التدريجي إلا أن الإشكالات اليومية للتطبيق جر فرق حديثة التكوين وقليلة التجربة إلى ممارسات مرتجلة اختلط فيها التربوي بالإداري والمالي. فانفجر النسق بين المؤسسة التعليمية والمديرية الإقليمية والجهات المركزية مما حول العملية إلى مكالمات رسائل على الهواتف. لكن لُب المقاربة يشيء بتحول كبير في الممارسات التي شاخت وشاخت معها الوثائق المرجعية والكتب المدرسية التي أصبحت تنشر اللامعنى خاصة في الإعدادي. 



تابع القراءة ←

السبت، 15 نوفمبر 2025

عبد الجليل باحدو يوقع على سيرة ذاتية مُتفردة


 عبد الجليل باحدو يوقع على سيرة ذاتية مُتفردة

 

     دأب الأستاذ باحدو على الكتابة في مواضيع التربية والتشريع المدرسي وحقوق وواجبات الموظف العمومي، واتسمت كتاباته بالرصانة والموضوعية. لكن هذه المرة فضل أن يتحدث بلغة المتكلم ليكتب عن نفسه في مؤلف سير ذاتي يريد من خلاله الرجوع إلى ذاكرته الخصبة ليفتح لها الباب لتتواصل مع مجموع القراء. ولعل العتبة الأولى لهذا النص هو عنوان يبدأ بفعل ماض متبوع بوصف يحيل في السياق المغربي على هيئة سياسية وحزبية. ويُعتبر الكتاب سيرة ذاتية   بالمعنى الأولي، لكنّ الكاتب فضل الجمع بين السيرة الشخصية والتحليل السياسي لـمسار حزب الاتحاد الاشتراكي داخل المشهد السياسي المغربي خلال فترات معينة اختارها بعناية. ولا يكتفي المؤلف بسرد وقائع حياته، بل يكشف «مناطق الظلّ» في تاريخ الحركة الاتحادية من الداخل، ويطرح أسئلة حول فكرة الالتزام السياسي والمعنى التنظيمي للتجربة ويحاول أن يقتحم مناطق مسكوتا عنها داخل تاريخ الاتحاد الاشتراكي، ويكشف برؤية نقدية صريحة عن أسرار وتفاصيل مسار الحزب وبعض قياداته السابقة والحالية.

 وعلى مستوى البناء السردي للسيرة يبدأ باحدو بسرد نشأته وانخراطه في العمل النقابي والسياسي، وارتباطه بحركة اليسار المغربي، وانتمائه للحزب الاتحادي.ثم. يستعرض تجاربه الحزبية: سواء كلحظات أمل، أو لحظات صعبة، وعرَج على التحولات التي شهدها الحزب من بدايات واعدة إلى تغيرات في الفكر والتنظيم. ويتطرّق   لدور الثقافة والنقاش الفكري داخل الحزب، وإلى جدلية التزام الفرد داخل إطار تنظيمي، ومفهوم "الاتحاد" بمعناه الحزبي، ويقدم نقدًا ذاتيًا للحركة الاتحادية وكيف تغيّرت، ما هي التناقضات الداخلية التي تعرفها، ويتساءل عن ما الذي ضاع من الرؤية الأصلية، وما هو ممكن أن يستعاد. ويختم بالتأمل في مستقبل الالتزام السياسي في المغرب: ما هي الدروس المستخلصة؟ ما معنى أن تكون "اتحادياً" اليوم؟ وفي مستوى التحليل الباطني للمؤلف تبرز معالم كبرى لبناء سيرة باحدو عبر الاشتغال على مفاهيم وموجهات مركزية أهمها:

·        الذات والجماعة: الكتاب يؤسس فكرة أن الكاتب ليس وحده في قصته، فقصته مرتبطة بجماعة – حزب أو حركة – وبالتالي الذات لا تُفهم إلا ضمن إطار جماعي.

·        الزمن والتحوّل: كيف تغيّرت الحركة الاتحادية عبر الزمن – من الحماسة الأولى إلى التحديات التنظيمية والهوية الفكرية.

·        التحليل النقدي الداخلي: باحدو لا يكتفي بالتبجيل، بل يتماهى مع نقد داخلي للحركة التي انتمى إليها، مع رغبة في إعادة النظر في المسارات.

·        الالتزام في سياق مغربي: ما معنى الالتزام اليوم في المغرب؟ كيف يُجمَع بين الفكر، التنظيم، والممارسة؟

ويقدم المؤلف العمل بنفسه حين يقول: «إنني على قناعة من أن ما أحكيه اليوم لا أخون فيه شخصا وثق بي ولا من كان له فضل علي، الأمر يتعلق بالحقائق السياسية المهمة التي عشتها في الحزب والنقابة، وبأحكام كونتها وأخشى ان يطويها النسيان فتغيب عن الأجيال اللاحقة...». يذكر أن الكتاب صدر في أكتوبر 2025، وأن الأستاذ باحدو رئيس منظمة التضامن الجامعي المغربي المتخصصة في الدفاع عن أسرة التربية والتكوين والمساهمة في تأطيرها معرفيا وقانونيا، تأسست 1933 واستمرت بعد الاستقلال وتتميز بنشاطها التربوي والحقوقي والإشعاع الثقافي.

تجدون المقالة على الروابط التالية:

منار اليوم:

https://almanartoday.net/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d8%af%d9%88-%d9%8a%d9%88%d9%82%d8%b9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%b0%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%a9/

المحور الصحفي:

https://mehwarpresse.com/2025/11/13/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d8%af%d9%88-%d9%8a%d9%88%d9%82%d8%b9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%b0%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%8f/

 

 

 

 

 

 

تابع القراءة ←

الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

السبورة فضاء لمعالجة الخطأ بمقاربة تصحيحية جماعية

 


السبورة فضاء لمعالجة الخطأ بمقاربة تصحيحية جماعية

عبد الرحيم الضاقية

يلاحظ من يلج الفصول الدراسية تحولات في التعامل مع السبورة كمرآة للعمل الصفي من خلال تراجع دورها في هيكلة الدروس واحتضان الأنشطة التطبيقية وتصحيح الوضعيات التقويمية. وفي إطار منهجيات بناء الدروس التي يقترحها التعليم الصريح تم تعزيز أساليب العرض الرقمي الذي يعد ثورة أداتية في منهجيات التدريس لكنها تحد من صناعة المعرفة من طرف المتعلم/ والمدرس/ة حيث يتم التعامل مع وضعيات جاهزة قابلة للتعليب والتصدير لذهن المتعلم/ة مما يفوت عليه فرصة البناء التدريجي الذي يتميز به التعلم. وفي هذه الورقة سوف نتناول بعض أدوار السبورة سواء السوداء أو البيضاء في الاشتغال على تصحيح وتعديل الخطأ ضمن وضعيات تعلمية والتعامل الإيجابي معه باعتباره مسارا نحو التعلم ليس حجرة عثرة في الطريق.

·        السبورة /المرآة فضاء للتعديل المتعدد المداخل.

تعتبر السبورة مجالا لعمليات التصحيح والترميم والمعالجة بكل أشكالها. فإذا كان الخطأ عبارة عن حادث ملازم للممارسة التعلمية فإنه على السبورة يتم في إطار مراقبة الجميع ويتحول إلى خطأ-فُرجة تحوله السبورة إلى شاشة معبرة عن انحراف باد للعيان مما يحول طبيعته إلى توثر ضمن العلاقات البينية. لكن الدراسات الحالية تعمل على الوقوف على الخطأ ودراسته والحد من مضاعفاته على المتعلم/ة من خلال التعديل الفوري أو البعدي من خلال:

-         تعديل جماعي: ويتم ضمن السبورة في إطار أنشطة اعتيادية يتم فيها تقويم الانحراف وفهم الخطأ ومسحه من السبورة ومن الذهن عبر إجراءات تصحيحية؛

-         تعديل فردي: يتم التعديل بين متعلم/ة وآخر أو بين المدرس/ة والمتعلم/ة في إطار عمليات ميكانيكية لها وقع معتبر على مجموع الفصل الدراسي مع الحرص على حفظ الوضع الاعتباري لكل منهما؛

-         تعديل ذاتي: وهو إجراء يحصل في الأقسام الدراسية يوميا حين يفطن المتعلم/ة لارتكاب الخطأ ويقوم بتعديله فورا أمام مراقبة المدرس/ة وجماعة القسم. وتفسره الدراسات بأنه إعلان ثوبة أمام الجميع بعد المسح الفوري أو بعد العودة الثانية إلى السبورة من أجل التعديل (Guillotte,1990, p46).

 ويتم تدبير حادثة الخطأ تربويا من خلال إجراءات متدرجة ومتداخلة من أجل إكسابه شرعية الوجود ضمن آليات التعلم عبر محطات متتالية لكنها متداخلة ومتفاعلة مع الوضعية التعلمية من خلال:

·       استقبال الخطأ: الخطأ عبارة عن حادث ملازم لممارسة التعلم، إلا أن السبورة تجعله واقعة يشهد عليها الجميع مما يحوله إلى خطأ-فرجة قد تكون له آثار على مرتكب الخطأ على مستوى سيرورة التعلم. وعلى مستوى الفصل الدراسي فحين يتم التغاضي عنه من طرف أعين المراقبة الفورية مما قد يجعله ينتشر ضمن الآثار المكتوبة للمتعلمين/ات من خلال عمليات النقل التي تعقب استخراج الخلاصات أو تصحيح التمارين والسلاسل، فخطأ فرد واحد قد يتحول إلى 40 خطأ في دفار المتعلمين/ات وأذهانهم/ن. لذا يتعين الاشتغال على الخطأ في كل مراحل التعلم ورفع طابع المأساوية عنه عبر سيرورات تجريبية في مختلف المواد الراسية سواء في قواعد اللغة والإملاء والرياضيات والفيزياء وتبيان أن الخطأ ملازم للعلم وأن ما وصل إليه اليوم هو استفادة وتديل لأخطاء الأمس؛

·        صيانة الخطأ: تعتمد الصيانة على عمليات استباقية لتلافي العطب في الآلات وكذا في الممارسات والسلوكات. وهي ترسانة من التوجيهات الوقائية تحذر من الوقوع في الخطأ عبر إجراءات معرفية وتنظيمية تروم احترام المساطر والقواعد التي تستند عليها النماذج النظرية والتطبيقية للمواد الدراسية. فالصيانة تبدأ عمليا أثناء بناء مكونات الدرس من حيث الاشتغال على المفهوم المركزي وتثبيت القواعد ودراسة الحالات الخاصة واعتماد محاذير واضحة وتعد السبورة فضاء للتوصيل والتواصل الجماعي بدون حواجز تعززها خطابات المدرس/ة وانخراطه الجسدي عبر الصوت والحركة والميم. وعند حصول الخطأ يتعين الرجوع إلى الوراء من أجل طرح فرضيات عمل دون اللجوء إلى العقاب أو الإخفاء أو التصحيح الفوري. فقد يكون مصدر هذا الخطأ متعددا من قبيل سوء فهم منطوق التوجيهات أو الأسئلة؛ أو مصدره من تخطيط وتدبير بناء الدرس نفسه وكذا مدى ملائمة الدعامات المعتمدة للموقف التعلمي-الهدف؛ أو من تمثلات المتعلم/ة ومعرفته السابقة بالموضوع والت يقد تكون غير سليمة. لذا توصي الأبحاث إلى اعتماد خطة صيانة متكاملة للخطأ خاصة على سطح السبورة بكل أنواعها من اعتباره حادثا يدخل ضمن ادوت التعلم وجزء من المحاولات التجريبية التي تتبناها المعرفة العلمية.

·        ترميم الخطأ: يتم التعديل أمام المرآة عبر مجموعة من الإجراءات التي تحاول مقايسة الصورة الحسية الماثلة في المرآة مع الصورة المتصورة الثاوية في الذهن. وهذا التدخل هو نفسه ما يقع على لوح السبورة عندما يتدخل أي كان لترميم الخطأ الماثل أمام الجميع مما يكون له وقع على الذاكرة والبناء المستقبلي للمعرفة لأنه رأب للصدع قبل استفحاله. وهناك عدة خيارات يتم اللجوء إليها من أجل تنفيذ الترميمات الضرورية بشكل تشاركي جماعي تحصل فورا على المصادقة فور القيام بها لأن ذلك يؤسس لعلاقة إيجابية مع فعل ارتاب الخطأ بدون عقد ذنب تجاه الذات والآخر. ومن خيارات الترميم المتداولة على السبورة:

-       استعمال أساليب ذكية لتثبيت القواعد ومراجعتها الفورية مثل قاعدة 3/3 أو معرفة مدى قسمة عدد على ثلاثة أو خمسة أو عملية التربيع من أجل رسم خريطة بدون انحراف أو شكل هندسي معقد ... وغيرها من العمليات البسيطة؛

-       تحويل فضاء السبورة إلى مساحة للتسويد الجماعي مفتوح أمام الجميع من أجل تصحيح الأخطاء واكتساب الثقة في الذات من طرف أعضاء جماعة الفصل الدراسي من خلال التحكم في الآليات عبر المحاولة والخطأ؛

-       يمكن في وضعيات خاصة استعمال تقنيات التعليم المصغر من أجل العودة إلى اللحظة التي وقع فيه الخطأ من أجل ترميم المسار وليس الخطأ وحده وإعادة بنائه بشكل صحيح مع تعيين عناصر اليقظة التي سوف تحول دون الوقوع فيه .

·       المعالجة: يحيل المفهوم إلى جذر «عالج» بمعنى تعامل مع اختلال أو مرض، وكذا إعادة بناء وساطة بين أطراف متنافرة Re –médiation  . وكلا المفهومين صالحين لهذه الوضعية التربوية التي وصلنا إليها في إطار علاقة السبورة/ المرآة بالمعيار/ الجواب الصحيح؛ أو الذات وصورة الذات في المرآة. كما أن وضعية الاشتغال على السبورة تتيح عملية عقد وساطة بين المعرفة والذات الباحثة عنها في إطار وضعيات تربوية وديداكتيكية مخطط لها. وتقوم المعالجة على رأب الصدع الذي ينتج عن سوء الفهم أو الانحراف الذي أدى إلى ارتكاب الخطأ. ويستوجب هذا الموقف فترة نقاهة من أجل استيعاب عملية تغيير المسار ومواجهة الخلل من حيث اتخاذ بُعد من العملية واستيعابها الكامل من أجل نجاعة عمليات المعالجة. فبعد عمليات الاستقبال والصيانة والترميم تأتي مرحلة المعالجة التي تشكل خطوة شبه نهائية للمتوج المصادق عليه من طرف الجميع. وتتم عبر مستويات أربع هي:

-         تقديم الجواب الصحيح: في هذا المستوى يتم تمكين المتعلمين/ات من الجواب الصحيح على شكل تغذية راجعة مما يعني منحهم/ن موجهات مضبوطة تمكنهم/ن من المقارنة بين أجوبتم/ن والجواب الصحيح لاكتشاف الفوارق بأنفسهم/ن مما يزيد من تمكنهم/ن من المضمون المستهدف؛

-         معالجة جماعية: تستهدف مجموع الفصل الدراسي اعتمادا على عدد محدود من الأخطاء التي وقع فيها على الأقل نصفهم/ن. ويمكن ذلك المدرس/ة من استهداف العوائق المتكررة لدى عدد دال من المتعلمين/ات وتتحول إلى تعلمات منتظمة يستفيد منها الجميع؛

-         معالجة فارقية حسب الحاجات: بعد عملية تصحيح منجزات المتعلمين/ات يتعين تقسيمهم/ن إلى مجموعات ذات حاجات خاصة أي أنهم/ن يعانون من نقص في مؤشرات معينة. ويتم تنفيذ المعالجة بتقسيم المتعلمين/ات إلى مجموعات من المتعلمين/ات حسب حاجاتهم المشتركة بالنظر للكفايات التي لا يتحكمون فيها؛ ثم الوقوف على الأخطاء المشتركة بينهم/ن؛ وبد ذلك اقتراح أنشطة وتمارين لعلاج التعثرات الملاحظة ؛

-         معالجة فارقية فردية: تتوجه أساسا إلى المتعلم/ة الذي يعرف صعوبات في إنجاز وضعيات تقويمية محددة تم حصرها عن طريق مقارنة إنجازاته. مما يستوجب اقتراح أدوات علاجية فردية من طرف المدرس/ة بناء على دعامات رقمية مُسهلة للتعلمات دون الرجوع على منهجية الدرس التقليدي الذي استنفذ جدواه بناء على التقويمات المختلفة، ويتعين المرور عبر قدرات مستعرضة وأخرى نفسية اجتماعية من أجل تنويع وضعيات التعلم وكسب الثقة في النفس.

يكون فضاء السبورة أذن مصحة كاملة التجهيز من أجل علاج الخطأ بكل مراحله ابتداء من استقباله ثم فحصه وإجراء التحاليل عليه، ثم صيانته وترميم الخلايا والأعضاء التي تأثرت بالاعتلال ثم أخيرا تقديم برنامج علاجي متعدد المداخل. والخروج من التجربة بأن الخطأ ملازم للحياة في مفهومه العام وملازم للتعلم في مفهومه التربوي.

 

مقالة منشورة في جريدة الأخبار اليومية –عدد 3910 بتاريخ 21 أكتوبر 2025

 

تابع القراءة ←

الثلاثاء، 24 يونيو 2025

التسويد صورة مصغرة عن واقع ممارسات تعلمية

 التسويد صورة مصغرة عن واقع ممارسات تعليمية

    يفاجأ كل زائر للمؤسسات التعليمية بعد انتهاء الامتحانات بانتشار غير عادي لأوراق استعملت في التسويد أو في الغش مرمية في جنبات وزوايا ومرافق المؤسسة التعلمية. هذا الحضور اللافت أثار لدينا التساؤل عن هوية وبنية وإمكانيات تصنيف هذه الوثائق التي انتجها المتعلمون/ات في لحظة تهييئ الاختبارات. ثم كيف يمكن نقلها من مصاف النفايات إلى أثار لبنيات تعلمية واستراتيجيات فكرية ومعرفية تعطينا صورة عن طبيعة مدخل الخطأ وارتكابه ومواجهة الوضعيات التقويمية؟

1.     مفهوم سائد عن التسويد:

تستعمل عدة ألفاظ للدلالة عن العملية. فإذا كانت لفظة التسويد والمسودة تحيلان على الأسود. فإن نفس اللفظة بالفرنسية تحيل على لون الضبابBrouillard  (Brouillon)  أي درجة دنيا من اللون الأسود. واللفظة السائدة في المدرسة المغربية " الوسخ" تحيل كذلك على شيء غير نظيف. أما المعنى الاصطلاحي فالتسويد هو محاولة أولى أو تجربة أو تمرين أولي لم يخضع بعد للتحرير النهائي في " المبيضة " أو ورقة التحرير.  يحيل المفهوم كذلك على هوية المسودة بحكم أنها نص بيني يتموقع بين نص أصلي/ مصدر، ونص / هدف خضع لعملية الإنتاج من قبل الكاتب. هذه الوضعية البينية هي التي تضع المسودة في وضع يعفيها من المساءلة والتقويم.

2.     التسويد وبناء المعرفة:

   إذا اتفقنا على أن المعرفة عبارة عن صرح يتم بناءه بطرق واستراتيجيات متعددة وفي كل لحظة تتم إعادة البناء بعد التفكيك فإن نشاط التسويد يساهم بشكل فعال في رسم معالم البناء فعلى ورقة التسويد يتم فك عناصر البناء الأولي وعليها يتم خط معالم البناء الجديد، هذا النشاط يعتبر أداة أساسية للاستطلاع باعتباره الشكل الأولي لإنتاج مشاريع على الورق في كل أشكال المعرفة مع الاحتفاظ بإمكانيات التصحيح والبتر والمحاولة والخطأ بأقل كلفة ذهنية ومجتمعية. كل هذه العمليات لا تتم خارج صيرورة معينة حيث تتيح المسودة التأمل في التفكير نفسه ووضعه على المحك ثم تصبح المسارات التي اتخذها الذهن في عمليات الذهاب والاياب مصدرا للتفكير من خلال هذا المنتوج تبرز آلية تحريرية تعبر عن حالة الكاتب الذي خطت يده ما فكر فيه وألغى مالم يرض عنه وأضاف ما تذكر أو أراد أن يتذكر وأهمل أشياء لم يكن مقتنعا بها في تناغم تام بين اليد والذهن. وحتى شكل الكتابة وبنيان الحرف وثنائية فراغ / كثافة تشير إلى بناءات ذهنية خاصة بالهنا والآن. نخلص من هذه الشبكة التحليلية إلى أن المدرسة هي المجال الواسع لإعادة التركيب أي التسويد الذي يجب اعتباره فضاء للتكوين ومن تم الإقلاع عن اعتباره منتوجا مؤقتا ومن درجة ثانية ضمن الأثار الانتقالية الناقصة فالمدرس/ة من خلاله يشخص العقبات ويقف على المكتسب. والتلميذ/ة يتوفر من خلاله على مدونة تثبت بواسطة مؤشرات مادية على شكل المسار التعلمي وصعوباته وطرق الحلول بل ولحظات الانقباض / الحرج وكذا الارتياح / الفرج والتسويد في نهاية المطاف هو حوار بين ما أعرف وما أنا قادر على إنتاجه الآن.

3.     التسويد والخطأ:

     الخطأ حادث ملازم لمسار التعلم إلا أن المقاربات المبالغة في الكمال ما فتئت تبعده عن فضاء التعلم بل وتعتبره حادثا عارضا من الأحسن إخفائه بمجرد تجاوزه. وتلقى المسودة نفس المصير حيث أن المدرسة لا تكثرت بها وتعتبرها جزءا من بقايا أنشطة التعلم مثل غبار الطباشير المتراكم أسفل السبورة. نجد إذن أن ورقة التسويد هي فضاء للخطأ بامتياز، إنها المكان الذي يمارس فيه المتعلم/ة حريته المعرفية ويتخلص من غرور اليقينيات ويعترف بأن لا وجود لحقيقة بدون خطأ معدل. وقد أسهم "باشلار" في التأكيد على أن المعرفة تنطلق من تساؤلات تفضي إلى عقبات تساهم في إعادة بناء المعرفة القبلية المنطلقة من التجارب الأولية أو الأفكار الجاهزة المرتبطة بالمعرفة العامة. إذن ففضاء التسويد يمنح امكانيات واسعة لإعادة طرح سؤال الذات وفق ثمثلات خاصة ثم بداية الملامسة الخائفة والمحتشمة، ثم الوقوع في الخطأ الأولي والسير في منطقه للوصول إلى عائق قد ينسف البناء الأولي فيترجم ذلك على الورق بتشطيب وإعادة نظر وكذا تركيب بناءات ذهنية أخرى قد تكون مناقضة للأولى. هذه الحالات الذهنية والامكانات التعديلية تتيحها ورقة التسويد حيث تمنح المتعلم/ة الطمأنينة والدعم في وقت يشعر فيه بالتوتر والخوف هذا الفضاء الكتابي يمنحه على الأقل خمس مخارج يمكنه اللجوء إليها وهي: الاضافة – الحذف – التغيير – التحويل – التشطيب... وكل هذه العمليات تكون متجذرة في صلب التأمل المُسائل للذات التي تنفذها في إطار تفاوض يستحضر الآخر المفرد والمتعدد. إذن فوثيقة التسويد ننتج نصا مفتوحا على الذات والآخر وتتيح الذهاب والإياب المنتج للمعرفة والمحتضن للخطأ كعنصر كامن في مسار التعلم. ولعل استعمال دراسة الخطوط والسيمولوجيا كفيلة بالوقوف على هذه الأوضاع والكشف عن خصوصية فضاء التسويد عبر الآثار المتبقية لإقامة علاقة بين المسودة / المرآة والمسودة / الصورة المعكوسة في المرآة.

4.     التسويد والتقويم:

     ارتبط التسويد في المدرسة ارتباطا وثيقا بالتقويم نظرا لما لهذه العملية من عواقب مصيرية على الفرد ضمن مساره الدراسي. فمساحة التسويد هي ذلك الفضاء الآمن الذي يتيح الانزلاق والفشل وإعادة النظر بعيدا عن عيون المصحح/ة. فالتسويد يتيح التقويم الذاتي قبل فوات الآوان إنها مساحة إعادة الكتابة بامتياز. فالرسام عندما يخط على لوحته يتراجع خطوتين أو ثلاثة إلى الوراء ليفحصها عسى أن يعدل أو يلغي ... لكن عندما ينتهي من العملية ويبدأ الحوار بين اللوحة والمتلقي يكون الرسام قد مت رمزيا.    نفس هذا المسار يأخذه منتوج التلميذ/ة الكتابي حيث يحل التقويم المؤسسي عند نهاية تقويمه الذاتي. وعند التأمل في ثنائية التقويم والتسويد في إطارها "الاحتفالي" أي بمناسبة امتحانات رسمية في جميع مراحل التعليم نلاحظ الظواهر التالية:

·        أن أوراق التسويد تخترق مجال المؤسسة كي تكون شاهد إثبات عن هذا الجو الذي يخرج عن المعتاد حيث تعطى لأوراق التحرير أهمية من حيث الكتابة والتنظيم؛

·         إن هذه الأوراق بعد تنامي ظاهرة الغش تتيح التواصل في حين يمنع فيه التواصل بموجب قانون الامتحان. حيث بواسطتها تنسج علاقات مع الزملاء في إطار اقتصاد الغش؛

·        أن هندسة ورقة التسويد تعطي مؤشرات منهجية عن كيفية بناء الدروس ونوع التقويم ومدى قياسه للمعلومة أو الكفاية أو توجهه لحل المشكلات مما يعطي صورة عن النظام التعليمي برمته هذا وحده كفيل بنقل المسودة من النفاية إلى الوثيقة التربوية؛

·      أن العنف الذي يمارس على أوراق التسويد في نهاية حصة التقويم ينم عن رغبة في محو الأثر أو التخلص من الخطأ الكامن في هذه الأوراق وتوحي بمظاهر جماعية لرفض أنواع وأشكال من التقويم التي لازالت تعتمد على الاستجواب والمسائلة والاستنطاق الفكري.

عبد الرحيم الضاقية

 

ملحوظة: نشر المقال على صفحات جريدة الأخبار اليومية بتاريخ 24 يونيو2025 – عدد 3813



تابع القراءة ←
;